للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه، وليعتنِ بعلم المذهب فإنه من أعظم الأنواع نفعا، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقي العلوم، قال صاحب الأحوذي: ولا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وضعا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق والتحلي بحلية السرق، وهذا لا ينافي ما ذكره بعضهم من أن رتب التأليف سبعة: استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه، وناقص في الوضع يتمم نقصه، وخطأ يصحح الحكم فيه، ومستغلق بإجحاف الاختصار يشرح أو يتمم بما يوضح استغلاقه، وطويل يبدد الذهن طوله يختصر من غير إغلاق ولا حذف لما يخل حذفه بغرض المصنف الأول، ومتفرق يجمع أشتات تبدده على أسلوب صحيح قريب، ومنثور غير مرتب يرتب ترتيبا يشهد صحيح النظر أنه أولى في تقريب العلم للمتعلمين من الذي تقدم في حسن وضعه وترتيبه وتبويبه، فهذا كالشرح لما ذكره صاحب الأحوذي والله أعلم، قال العلامة الشيخ بدر الدين بن جماعة: ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته ولا وجه لإنكار إلا التنافس، وإلا فمن تصرف في ورقة ومداده بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر عليه، فلم إذا تصرف بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن؟ أما من لا يتأهل لذلك فالإنكار عليه متجه.

ومما نقل عن فعل الأئمة من آداب التصنيف أنه كان المزني١ إذا فرغ من مسألة من المختصر صلى ركعتين، وكان أبو إسحاق الشيرازي٢ شيخ أبي


١ هو أبو إبراهيم المزني، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل: صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر، كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة، وهو إمام الشافعيين، قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي، وقال في قوة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه، توفي في سنة ٢٦٤هـ. وفيات الأعيان ١/ ٢١٧ والأعلام ١/ ٣٢٩.
٢ هو أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي: العلامة، المناظر، ظهر نبوغه في علوم الشريعة الإسلامية، فكان مرجع الطلاب، ومفتي الأمة في عصره، واشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة، عاش فقيرا صابرا، ينظم الشعر، وله تصانيف كثيرة، توفي في سنة ٤٧٦هـ. طبقات السبكي ٤/ ٢١٥، والأعلام ١/ ٥١.

<<  <   >  >>