للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ليس القصد فيه أن يريك كل لون على الانفراد، وإنما القصد أن يرى الشّبه من اجتماع اللونين.

وقول البحتري: [من الوافر]

ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام (١)

لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق، بل المقصود الهيئة الخاصّة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين الآخر.

كذلك المقصود في بيت بشّار بتشبيه النّقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه، لا تشبيه الليل بالنّقع من جانب، والسيوف بالكواكب من جانب. ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في موضع، بأنّ الكلام إلى قوله: «وأسيافنا» في حكم الصلة للمصدر، وجار مجرى الاسم الواحد، لئلا يقع في التشبيه تفريق ويتوهّم أنه كقولنا: «كأن مثار النقع ليل وكأنّ السيوف كواكب»، ونصب «الأسياف» لا يمنع من تقدير الاتصال، ولا يوجب أن يكون في تقدير الاستئناف، لأن الواو فيها معنى «مع»، كقوله: [من الطويل] فإنّي وقيّارا بها لغريب (٢) وقوله: «كلّ رجل وضيعته»، وهي إذا كانت بمعنى «مع»، لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين، ألا ترى أن قولهم: «لو تركت النّاقة وفصيلها لرضعها»، لا يكون بمنزلة أن تقول: «لو تركت الناقة ولو ترك فصيلها»، فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول: «كل رجل كذا


(١) البيت في ديوانه، والإيضاح ص ٢١٧ تحقيق د. عبد الحميد هنداوي. الجهام: بالفتح: السحاب الذي لا ماء فيه، وقيل: الذي قد هراق ماءه مع الريح، الجهام: السحاب الذي فرغ ماؤه. يصعدن فيه: أي: الفرس المحجل.
(٢) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي (ضابئ بن الحارث بن أرطاة من بني غالب بن حنظلة من البراجم ت. نحو ٣٠ هـ/ ٦٥٠ م) وكان ضابئ ممن أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذا البيت من أبيات قالها وهو في حبس عثمان وصدره:
من يك أمسى بالمدينة رحله وبعده:
فلا تجزعن قيّار من حبس ليلة ... قضيّة ما يقضى لنا فنئوب

<<  <   >  >>