للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفوق كل هذا ... تلك الطاقة الروحية التي يولدها في نفس من يُقبل عليه .. يقول محمد فريد وجدي: إن في القرآن طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان، فهو يهز وجدانه، ويرهف أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه وتفكيره (١) ..

إنه يثير العواطف ويوقظ العقول في وقت واحد، وبعد الاقتناع يطمئن العقل ويهدأ الإحساس، ويشعر الإنسان بنشوة الفرح والارتياح (٢).

تأثير يُدرك ولا يمكن وصفه:

يقول محمد فريد وجدي: لما كان القرآن روحا من أمر الله فلا جرم كانت له روحانية خاصة هي عندنا جهة إعجازه، والسبب الأكبر في انقطاع الإنس والجن عن محاكاة أقصر سورة من سوره، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه (٣).

(إن في هذا القرآن سرًا خاصًا يشعر به كل من يواجه نصوص القرآن ابتداءًا قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيه، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن.

يشعر أن هنالك شيئًا ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هنالك عنصرًا ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن، يدركه بعض الناس واضحًا، ويدركه بعض الناس غامضًا، ولكنه على كل موجود .. هذا العنصر الذي ينسكب في الحس، يصعب تحديد مصدره: أهو العبارة ذاتها؟ أهو المعنى الكامن فيها؟

أهو الصور والظلال التي تشعها؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللغة؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة؟ أم أنها تشمل ما تقدم وشيئًا آخر وراءها غير محدود!

ذلك سر مودع في كل نص قرآني يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداءً ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبر والنظر والتفكير في بناء القرآن كله) (٤).

فالقرآن له سلطان الجلال والمهابة يستولى على قلوب المخاطبين استيلاءً (كالقهر وما هو بالقهر، له فعل في القلوب كالسحر وما هو بالسحر، لا يختص ذلك بالأنصار دون الخصوم، ولا بمحالفيه دون مخالفيه، بل يغزو القلب من حيث لا يمكن لصاحبه رد، ويؤثر فيه من حيث لا يمكن دفع، أثر في الأعداء كما أثر في الأتباع) (٥).

[من مظاهر تأثير القرآن]

ولقد وصف لنا القرآن بعضًا من مظاهر تأثيره في الآخرين، ولم يقصر القرآن هذا التأثير على البشر فقط بل نجده قد تعداهم إلى الجن، بل وإلى الجماد ..

ولئن كنا لا نستطيع إدراك سر تأثير القرآن وكيفية عمله في داخل الفرد إلا أننا يمكن أن ندرك بعضا من أبعاده من خلال نتائج ومظاهر هذا التأثير.

[خشوع الجبال وتصدعها]

(لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وشدة تأثيره أنه لو أُنزل على جبل من الجبال، وجُعل له عقل كما جُعل للبشر، لرأيت الجبل - مع كونه في غاية القسوة والصلابة - خاشعًا متصدعًا من خشية الله كما قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ} [الحشر: ٢١] أي: لاتَّعظ الجبل وتصدَّع صخرُه من شدة تأثره من خشية الله.

ففي هذا بيان حقيقة تأثير القرآن وفعاليته في المخلوقات، ولو كانت جبلاً أشمًا، أو حجرًا أصمًا ..

وضُرب التصدع مثلاً لشدة الانفعال والتأثير، لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنشق وتتصدع، ولا يحصل ذلك بسهولة) (٦).

ويعلق سيد قطب على هذه الآية فيقول: هي صورة تمثل الحقيقة:


(١) التعبير القرآني والدلالة النفسية/ ١١١ نقلاً عن دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي ٧/ ٦٧٩.
(٢) المصدر السابق/ ١٣٦.
(٣) المصدر السابق /١٠٩.
(٤) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٩٩.
(٥) التعبير القرآني والدلالة النفسية ١٢٨.
(٦) عظمة القرآن للدوسري/ ٧١، ٧٢.

<<  <   >  >>