للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وروى ابن ماجه عن أُبي بن كعب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء، وأبو ذر يغمزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها حتى الآن، فأشار إليه أن اسكت (١).

[صفاء المنبع]

لقد كان القرآن هو شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاغل، ولِمَ لا وهو أكثر الخلق إدراكًا لأهميته وقدرته على التغيير، ألم يقل له ربه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢].

لذلك كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على عدم انشغال الصحابة بشيء آخر غير كتاب الله حتى يستطيع ذلك الكتاب أن يقوم بوظيفته كاملة في تغيير قلوبهم وعقولهم ونفوسهم، ومن ثمَّ سلوكهم تغييرًا جذريًا. ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ما حدث منه صلى الله عليه وسلم مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد مر عمر برجل يقرأ كتابا، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ عليه، وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوَّن، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب، وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت فاتحًا وخاتمًا، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واخْتُصر لي الحديث اختصارا فلا يهلكنكم المتهوِّكون» (٢).

يتلوَّن وجهه صلى الله عليه وسلم ويغضب عندما يجد أحد أصحابه يقرأ أو يستحسن كتابًا آخر غير القرآن، وكيف لا يتغير وجهه وربه يقول له: {أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: ٥١].

وعندما طلب منه أصحابه أن يقص عليهم قصصًا، أنزل الله سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف: ٣].

فقد أخرج ابن جرير، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملَّة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا، فأنزل الله تعالى {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: ٢٣]، ثم ملُّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص- فأنزل الله {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: ١ - ٣].

فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص (٣).


(١) رواه ابن ماجة (١١١١) وأسناده حسن.
(٢) المتهوكون أي المتحيرون، والحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة.
(٣) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٥، ورواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن.

<<  <   >  >>