للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعندما خرج المسلمون من الجزيرة العربية منطلقين من طيبة الطيبة، كانوا أولا يعرفون دينهم معرفة حقيقية، ويعرفون ما يدعون إليه، كما كانوا يعرفون الأمم الأخرى، دخل أحد رسل جيش سعد ابن أبي وقاص رضي الله على القائد الفارسي، وأراد أن يجلس معه على سريره، فحاول الحرس منعه، فقال لهم: (كنا نظنكم أولي أحلام تتساوون فيما بينكم، فإذ بكم يستعبد بعضكم بعضا) ثم أضاف تلك المقولة البليغة: (إن قوما هذا حالهم فمصيرهم إلى زوال) (١)، وكان المسلمون يعرفون الروم ونظام حياتهم، فلذلك نجحوا تماما في دعوتهم.

وقد أهتم علماء المسلمين بعقائد الآخر وفكره وثقافته ومن هؤلاء ابن حزم في الفصل والبغدادي في الفرق والأشعري في مقالات الإسلاميين وابن تيميه في الجواب الصحيح والغزالي في تهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية.

وفي الوقت الذي توقفنا أو تراجعنا عن معرفة أنفسنا، وكذلك عن معرفة الآخر، انتبه الغرب إلى هذا الأمر، فبدأ نشاطه العلمي بدراسة الحضارة الإسلامية ومنجزاتها في شتى المجالات.

وقد كثفت أوربا جهودها في مجالين: -بالإضافة إلى الجهود الضخمة في الترجمة والنقل عن اللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى- بدءوا في إرسال الرحالة المستكشفين إلى عالمنا الإسلامي، تزيا بعضهم بأزياء البلاد التي زارها، وأعلن بعضهم إسلامه ليعمقوا في معرفتنا (٢). وساند هذا الجهد نشاط الاستشراق، فعقدوا المؤتمرات السنوية للجمعية الدولية للمستشرقين.

وليست المؤتمرات هي النشاط الوحيد، فإنهم أسسوا مئات الأقسام العلمية للدراسات العربية والإسلامية، وأنشأوا مراكز البحوث والمعاهد وعقدوا وما زالوا مئات الندوات والمؤتمرات، ونشروا ألوف أو عشرات الألوف من الكتب والدوريات، ولم يكتفوا بجهودهم وحدهم في معرفتنا، بل استقدموا أبناء الأمة الإسلامية للدراسة عندهم وبخاصة طلاب الدراسات العليا، فأصبحت رسائل الماجستير والدكتوراه تنقل إليهم أدق التفاصيل في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والثقافية، وكذلك بعض الندوات والمؤتمرات التي تعقد في بعض البلاد العربية الإسلامية بتمويل من بعض المؤسسات العلمية الغربية حيث يحضرها بعض المراقبين من الغربيين.

حيث يقوم هؤلاء المستشرقون بدراساتهم تلك من أجل تقديم دراساتهم ونصائحهم ووصاياهم:

١) للمبشرين بغية تحقيق أهداف التنصير.

٢) وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار الفكري والعقائدي والمادي.

من هنا فإنه من الواجب علينا نحن المسلمين أن نولي اهتماماً بالغاً بثقافتنا الحضارية وهويتنا الإسلامية.


(١) انظر تاريخ الطبري ج ٢، ص ٤٠٢ - ٤٠٣.
(٢) صراع الغرب مع الإسلام، لأصف حسين ترجمة مازن مطبقاني.

<<  <   >  >>