للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وَأما صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ فَإِنَّهُ خَاطب الْخَلِيفَة فِي معنى ابْن الْحصين فَقَالَ

مَاله مَعنا شغل بَينه وَبَين خَصمه الشَّرْع فتحقق ابْن الْحصين أَنه لَا منجي لَهُ من الشطرنجي وَكَانَ ذَا سطوة وَشدَّة وَأكْثر النَّاس قساوة وأشدهم تجبرا وَكَانَ مَعَ ذَلِك كَرِيمًا جوادا وَكَانَ معطاء لَا سِيمَا إِذا شرب فَلَمَّا شَاهد ابْن الْحصين هَذِه الْأَحْوَال لم يجد بدا من الْهَرَب إِلَى الشَّام والاعتصام بجناب الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين

وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بِنَقْل عماد الدّين إِلَى البدرية فَلَمَّا انْتقل وَسكن بهَا كَانَ الْخَلِيفَة لَا يزَال مَعَه إِن خرج أَو دخل وَلَا يُفَارِقهُ فِي سَائِر الْأَوْقَات

وفيهَا كثر الْخَلِيفَة أدام الله أَيَّامه لَيْلًا يمشي فِي الْأَسْوَاق وَمَعَهُ جمَاعَة مِنْهُم نجاح الشرابي وَأَبُو الْحسن بن الْكَرْخِي وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى الْفراش وَكَانَ يمْضِي متنكرا مرّة فِي زِيّ الْعَجم وَمرَّة فِي زِيّ التّرْك وَمرَّة فِي زِيّ الْفُقَهَاء وَكَانَ يعْتَقد أَن أمره يخفي على أهل بَغْدَاد وَكَانَ لَا يخفى مَكَانَهُ للَّذين مَعَه لأَنهم كَانُوا معروفين عِنْد النَّاس فَكَانَ كَالْعلمِ إِذا اجتاز فِي مَوضِع عرف بِمن هم مَعَه فَكَانَ النَّاس يلحون بِالنّظرِ إِلَيْهِ ويقفون أَثَره ويمضون خَلفه وراى أَن السُّكُوت عَنْهُم يُوجب تكدير الْوَقْت وَخَافَ على نَفسه فَأطلق الْقَتْل فِي كل من يتَوَهَّم أَنه ينظر إِلَيْهِ أَو يقْصد أَن يمْضِي فِي طَرِيقه إِلَى أَن انحسمت الْمَادَّة فَكَانَ أهل بَغْدَاد إِذا غلب على ظنونهم أَنه فِي طَرِيق هربوا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى وَإِذا صادفه أحد فِي طَرِيق وَرَآهُ بِغَيْر اخْتِيَاره كَاد أَن يهْلك من شدَّة الْخَوْف وَإِن اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ أحد وَهُوَ فِي الصَّيْد فَإِن خاطبه بمولانا أَو دعى لَهُ وَعرف أَنه قد عرفه مَا يَخْلُو أمره من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يقْتله أَو يعرض عَنهُ وَلَا يقْضِي لَهُ حَاجَة ليزيل من قلبه أَنه أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أَن هرب النَّاس كَافَّة وَهَان عِنْده سفك الدَّم

<<  <   >  >>