للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

والصنف الثالث المسمى علامة وهو المؤتلف من العلامات في الشكل الثاني. والصنف الرابع المسمى بالرسم وهو مؤتلف من العلامات في الشكل الثالث. ولما كان الضمير الذي يسمى الواجب وهو المؤتلف من المحمودات في الأَشكال المنتجة لم يمكن أَن يقاوم من جهة تأليف القياس، بل من جهة مقدماته. ولما كانت مقدماته محمودة، وكان هذا الصنف إِنما يأتلف فيه المواد الممكنة على الأَكثر، أَعني التي توجد لأَكثر الموضوع مثل وجود الشيب للإِنسان في سن الاكتهال أَو التي توجد في أَكثر الزمان مثل اشتداد الحر عند طلوع الشعري العبور، أَمكن نقضه من ثلاث جهات: إِحداها أَنها ليست بمحمودة، والثانية أَن الذي على الأَكثر ليس باضطراري، وما ليس باضطراري، فقد يمكن أَن يكذب. وهذا نقض مموه إِلا أَنه يستعمل في هذه الصناعة؛ فإِنه قد يظن السامع، أَعني الحاكم، أَن المقدمة، إِذا كانت ليست باضطرارية، أَنها ليست بمحمودة، فيعرض للسامع إِحدى حالتين: إِما أَن يظن أَنه ليس كان ينبغي له أَن يحكم بشيء، وإِما إِن حكم، فلا بالسنة الخاصة المكتوبة بل بالعامة. وهو ما يقتضي الأَصلح في تلك النازلة. فإِن الحاكم إِنما يحكم بأَحد هذين الأَمرين: إِما بالسنة المكتوبة، وإِما بالعامة. والوجه الثالث أَن نبين أَن الذي أَخذ على أَنه على الأَكثر ليس على الأَكثر، بل هو إِما أَقلي وإِما مساوٍ، وذلك إِما في الموضوع، وإِما في الزمان. مثال ذلك أَن شاكيا إِن قال عند الحاكم: هذا قتل زيدا، لأَنه وُجد واقفا وبيده سيف، فيقول الخصم: إِن هذا وإِن كان أَكثريا فليس ضروريا. وذلك أَنه ليس كل من وجد واقفا وبيده سيف هو قاتل. أَو يقول: إِنه ليس هو أَكثريا، بل هو على التساوي، لأَن مَنْ هذه صفته يمكن أَن يكون قاتلا، ويمكن أَن يكون ناصرا.

وأَما النوع من الضمائر التي تأتلف من العلامات في الشكل الثالث فهو يبطل بوجهين: أَحدهما أَنه ليس بقياس، وذلك أَنه إِنما ينتج جزئيا لا كلية. والثاني بإبطال النتيجة لإِبطال المقدمات. فإِن المقدمات في هذا الضرب من الضمائر هي محسوسة. مثل قولنا: الكُتَّاب أَشرار؛ لأَن زيدا كاتب وزيد شرير. فإِن بإِبطال النتيجة تبطل المقدمات. لكن ليس ينبغي أَن يستعمل في إِبطال النتيجة المقابل المضاد ولا المهمل. فإِنها إِذا كانت كلية وأَبطلت بالضد، كان ذلك إِبطالا للكاذب بالكاذب، وللشنيع بالشنيع، مثل أَن يبطل قول القائل: كل كاتب شرير، بأَنه ولا كاتب واحد شرير. وإِن كانت مهملة وأَبطلت بالمهمل، كان إِبطال الصادق بالصادق والمحمود بالمحمود. فإِنه يصدق أَن الكُتَّاب أَشرار، والكُتَّاب ليسوا بأَشرار، كما يكذب أَن كل كاتب شرير، وأَن كل كاتب ليس بشرير، بل إِنما ينبغي أَن يكون الإِبطال بإِنتاج المقابل الذي هو موجود على الأَكثر. فإِنه إِذا كان المحمود الثاني المنتج مقابلا للمحمود الأَول وهو أَكثري، كان المحمود الأَول أَقليا. فإِذن إِنما ينبغي أَن يتحرى المبطل أَن يكون المقابل الذي ينتجه للنتيجة التي يروم إِبطالها أَكثريا، أَعني أَنه يوجد لأَكثر الموضوع أَو في أَكثر الزمان. وإِنما كان هذا مبطلا لأَنا إِذا تحققنا أَن المحمول موجود لأَكثر الموضوع، ولم يكن ذلك بحسب الظن والاشتباه، فإِما أَن يكون ضروريا، وإِما أَن يكون ذلك الأَقل من الموضوع الذي ليس هو فيه معلوما محدودا.

وأَما العلامة التي في الشكل الثاني فإِنما تبطل من جهة أَنها ليست بقياس. وأَما العلامة التي في الشكل الأَول فليس يمكن إِبطالها لا من جهة شكلها ولا من جهة موادها، فلذلك هي ضمير مثبت ضرورة.

<<  <   >  >>