للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

البياني، منذ اتجه إليه البارودي في الفترة السابقة أيضًا، كذلك كانت تلك الطريقة النثرية تسهم في النضال بكل ميادينه السياسية، والاجتماعية والإصلاحية، تمامًا كما كان الشعر المحافظ يفعل.

وأهم ما يمثل تلك الطريقة مقالات المنفلوطي، التي كان ينشرها في المؤيد١، والتي جمعها بعد ذلك في ثلاثة مجلدات باسم "النظرات"، وهي مقالات في الأدب والأخلاق والاجتماع، تتسم بهذه الخصائص الأسلوبية التي أشير إليها من قبل، والتي من أهمها: رعاية جمال الأسلوب دون اعتماد على المحسنات، باستثناء القليل من السجع المطبوع، ثم الاهتمام بتحريك العاطفة، وهزها بمختلف الوسائل.

وقد سيطرت تلك الطريقة، وغلبت نزعتها على الكتابة خلال تلك الفترة وبعدها بسنوات، حتى لقد طبعت النظرات إلى الآن ست عشرة مرة٢، نظرًا لأسلوبها الذي يجذب القراء، وخاصة الشادين في الأدب، والناشئة في صناعة القلم، فبقيت حية مقروءة على حين اختفت معظم الكتابات التي كانت تهاجم صاحبها، وذلك؛ لأنها كانت أكثر تمثيلًا لروح العصر٣.

ومع هذا لم تكن "طريقة المنفلوطي" هي المثل الأعلى لكتابة المقالة، فقد عيب عليها: الاهتمام البالغ بالأسلوب، وفقر الجانب الفكري، والمبالغة في اصطناع الأسى وإثارة العاطفة، ثم عدم الدقة في الاستعمال اللغوي أحيانًا، والميل إلى حشد الألفاظ المترادفة، والعبارات المكملة، والكلمات المؤكدة، دون حاجة إلى ذلك يقتضيها الموقف، أو تحتاجها الفكرة٤.


١ كان يصدر المؤيد الشيخ علي يوسف، وقد بدأ المنفلوطي كتابته لنظرات سنة ١٩٠٨، ونشر أول جزء منها في مجلد سنة ١٩٠٩. انظر: المحافظة والتجديد في النثر العربي المعاصر لأنور الجندي ص٢٤٣.
٢ هكذا كانت طبعة النسخة التي بين يدي، ولعل طبعات أخرى قد تمت بعدها.
٣ انظر: Studies on the Civlization of Islam: Gibb p.٢٦٣
٤ الديوان جـ٢ ص٧ وما بعدها، والأدب العربي المعاصر في مصر ص٢٣٣.

<<  <   >  >>