يستطيع من زينة, وظهر في مظهر الفتوة والقوة وفارق مكة، فتعرض للحجيج في طريق المدينة والشام والعراق، يتلمس نساءهم، ويتبين هوادجهن، ويعرض منها لمن تظهر عليها آثار النعمة والترف، فإذا وافى الحجيج مكة وغيرها من مواضع المناسك كان عمر قد أحصى النساء اللاتي يجب أن يكون بينه وبينهن لقاء أو حديث أو مكاتبة، وكان له رسل تعمل في ذلك فتأتيه المواعيد في مكة حينا, وفي منى حينًا آخر، وكان أحب ساعات الدهر إليه أوائل الليل من أيام الموسم حيث ينتهز النساء فرصة الليل فيخرجن للطواف, هناك كان عمر بن أبي ربيعة يترصدهن، ومنهم من كانت تترصده، وهنالك كانت تبتدي الأحاديث لتتم بعيدًا عن البيت، حتى إذا انتهى الموسم، وأزمع الحجيج العودة إلى بلادهم".
"رأيت عمر مقسمًا بين نساء المدينة ونساء الشام ونساء العراق، يشيع هذه ثم يعود، فيشيع تلك، ثم يترك هاتين ليشيع امرأة أخرى, وهو لا يفرغ من تشييع امرأة إلا قال الشعر الجيد يسبقها إلى موطنها، ولا يلبث أن يسقط بين أيدي المغنيين، فإذا هو مصدر للهو والطرب لهذه الاستقراطية المترفة من أبناء قريش والأمصار، فكان موسم الحج موسم شعر وغناء في الحجاز١".
على الرغم من أن أسلوب طه حسين يحفل برنين الألفاظ، وجرس العبارات أكثر من الفكرة المدروسة، والمعنى العميق فقد كان شيئًا جديدًا، متميزًا في الكتابة العربية الحديثة، فيه من لغة العرب البيان والإشراق واللمح، ومن الفرنسية الوضوح والإبانة والدقة.