للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

من أوروبا وأمريكا", لأن لذلك المعهد المقترح قصةً أخرى غيرَ ما نحن فيه. ولأكتف هنا بأن أقول إن كل حديث عن رابطة البحر الأبيض وحضارة البحر الأبيض، وشعوب البحر الأبيض لا يراد به إلا صرف الناس عن رابطة العروبة ورابطة الإِسلام. وعند حكومة تونس الراهنة وحكومة لبنان الغابرة الخبر اليقين.

وبعد، فلست أحب أن أختم مقالي هذا قبل أن أنبه القارئ إلى أن الخطر الذي تنطوي عليه كل هذه الاتجاهات المنحرفة خطر مزدوج. فهو يهدد بقطع ما بين العرب بعضهم والبعض الآخر فيتناكر المتعاصرون منهم، ثم إنه يهدد من ناحية أخرى بقطع ما بين العرب - جملة وأفراداً، في حاضرهم ومستقبلهم - وبين قديمهم، وبينهم وبين مصادر إسلامهم. والخطران كلاهما ماثلان في برامج هذه الشعبة الحديثة في الدراسات العربية والإِسلامية.

وفي الوقت الذي أنشئت فيه هذه الدراسة في إحدى كليات الآداب كان أنيس فريحة المدرس بالجامعة الأمريكية في بيروت يلقي محاضرات في الدعوة إلى دراسة اللهجات السوقية وآدابها والدفاع عنها من فوق منبر جامعة الدول العربية (١). وكان مجمع اللغة العربية في القاهرة مشغولاً بدراسة هذه اللهجات. وكان دعاة العامية وأعداء العروبة يتجمعون وينشطون في الترويج لدعوتهم ويملأون بها الصحف مستغلين اسم الثورة على ما هو معهود من أساليبهم في التضليل وانتهاز الفرص، لابسين ثوب الشعبية والدفاع عن لغة الشعب. وكان بعض الأعضاء الذين شهدوا مؤتمر مجامع اللغة العربية الأول في دمشق يدعو إلى وضع معجم لغوي مستقل لكل إقليم عربي، وإلى تبديل قواعد اللغة العربية وتغيير رسمها وإملائها. وكانت هذه الاقتراحات في الوقت نفسه تتخذ طريقها إلى التنفيذ في كتب الطالعة والنحو التي يتداولها تلاميذ المرحلة الابتدائية والمرحلة الإِعدادية في مصر.

أيُّ صدفةٍ عجيبة تلك التي ألَّفت بين هذه الجهود وأصدرت إليها أمراً بالزحف العام في وقت واحد؟ يا لها من صدفة حكيمة عاقلة!؟


(١) راجع "محاضرأت في اللهجات وأسلوب دراستها" لأنيس فريحة نشر معهد الدراسات العرببة العليا سنة ١٩٥٥.

<<  <   >  >>