للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

والاستعداد الحسن لا تنمو وتنضج وتُخْصِب إلَّا على اِلمرَانِ والتثقيف والعكوف على الدرس والتجويد.

أما الجانب الأشد خطورة في هذه الدعوة، فهو أن ضررَها لا يقف عند تمييز كل جماعة بطابع خاص تتعصب له مما لا يعين على تدعيم الوحدة العربية المرجوة، ولكنه يتجاوز ذلك إلى أن يقطِّع ما بينهم من الوشائج تقطعياً، فيصبحون ولا يفهم بعضهم عن بعض. ومن المؤكد أن العرب في مختلف البلدان لا يجتمعون على فهم شيء من الإِذاعة المصرية إلَّا فيما يذيعه "صوت العرب" بالفصحى. ومن المؤكد أيضاً أنهم لا يفهمون من بعض صحفنا ما تحرص على تسجيله بالعامية مما يدور في مجلس الأمة أو في قاعات المحاكم.

والعجيب في الأمر أن جرأة الإِذاعة وجرأة الصحف على الإِلقاء بالسوقية والكتابة بها شيء جديد لم يجرؤ عليه أحد حين كانت القومية العربية حلمًا يتمناه المخلصون ويعارضه كثير من المفسدين والمخدوعين، ولكنهم تجرأوا عليه بعد أن أصبح هذا الحُلْمُ حقيقةً واقعة مسجلة في المادة الأولى من مواد الدستور. أليس ذلك مما يدعو حقاً إلى العجب؟

وأعجب منه أن البرنامج الذي ابتدعته الِإذاعة حديثاً وسمّته "البرنامج الثاني" وزعمت أنه برنامج الخاصة من هواة الفكر الرفيع يخاطب مستمعيه بهذه السوقية التي تسمى بالعامية. فإِذا كانت العربية الفصحى لا تصلح لخطاب عامة الناس في البرامج العامة ولا تصلح لخطاب خاصتهم في البرامج الخاصة، فأين ومتى تتعامل الشعوب العربية بلغتها العربية الصحيحة التي هي عنوان قوميتها، ووعاء أمجادها، والتي هي وسيلتها الوحيدة للتفاهم؟

يبدو أن القائمين على هذا البرنامج مشغولون عن ترويج اللغة العربية بموسيقى (السمفونيات) القديمة التي يُكْرِهون المصريين على سماعها، ويتهمون الزاهدين فيها بالتخلف وبلادة الذوق، لاهُونَ عن تدعيم عروبتنا وثقافتنا القومية بأدباء الغرب وفنّانيه وبما يثيرون من غبار حول مقومات فنوننا وآدابنا. فهل نسي هؤلاء أنهم يتبعون وزارة الإِرشاد القومي في بلد عربي؟

<<  <   >  >>