للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفاسق أو المبتدع مشروع هجره ولا يشرع هجر الكافر ابتداء، وهو أشد جرمًا من أهل المعاصي؟

والجواب: أن الهجران على نوعين: هجران يكون بالقلب، وهجران يكون باللسان، فهجران الكافر بالقلب وهو هجران بغض وعداوة، بترك التودد إليه والتعاون والتناصر معه، ولا سيما إذا كان حربيًا، ولم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، وإن كان لا يستحب بدؤهم بالسلام، بخلاف العاصي المسلم، فإنه ينزجر ويشعر بالخطيئة والخجل، عند مقاطعته وهجرانه، ويشترك كل من الكافر والعاصي بجواز المكالمة لغرض الدعوة إلى الله والتزام طاعته، وإنما المنهي عنه في حقهما المكالمة بالموادة مع المعصية والكفر وتمسكهما في ذلك (١).

ومفهوم كلام السلف أن موالاة أهل البدع ضلالة لا تخرج عن الإسلام، ولكنهم شددوا في ذلك وحذروا منها لأمرين:

الأمر الأول: أن البدعة في الدين عند جمهور العلماء أعظم من ارتكاب الكبيرة من كبائر الذنوب، لذلك يعاملون أهلها أعظم مما يعامل به مرتكب الكبيرة، وذلك لأن البدعة يخشى من انتشارها واستمرار أهلها عليها، بخلاف الذنب الذي يرتكبه صاحبه وهو يعلم خطأه وتعديه ويعلم الناس أنه خلاف الصواب، ولذلك فإن دعاة البدع وسماسرة المعاصي، ولو كانوا ممن يتقمصون ثياب العلم ويتظاهرون بالزهد والصلاح، يجب أن يشد أهل الحق الوطأة عليهم؛ لأن هؤلاء يغتر بعض العامة بهم، فيقودونهم إلى الهاوية والعذاب السحيق.

الأمر الثاني: أن موالاة أهل البدع والمعاصي قد تجر إلى أكبر من ذلك حيث تؤدي بأصحابها في نهاية الأمر إلى الردة والكفر أعاذنا الله من ذلك، فكثير من الناس بدءوا، مع أهل المعاصي ببعض أنواع الموالاة ثم


(١) المصدر السابق ج ١٠ ص ٤٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>