للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العالم، وأن يضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التبعية المطلقة أو الموت ومن يطالع نصوص المعاهدة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - واليهود يعلم علم اليقين أن الإسلام عادل مع أهل الكتاب فقد ورد في الوثيقة النبوية المبرمة بين المهاجرين والأنصار التي وادع فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - اليهود ما نصه (لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ... وإن بينهم النصر على من حاربهم، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، ... وإن من خرج آمن ومن قعد آمن إلا من ظلم أو أِثَم) (١). وفي فتح مكة دليل واضح وبرهان ساطع على تسامح الإسلام ورحمته حتى بأعدائه، فهل عرف التاريخ أن جماعة غلبت على أمرها وطردت من بلدها، وأوذيت في نفسها ومالها، فلما استطاعت العودة إلى ديارها، وتمكنت من رءوس أعداءها، لم تمتد يدها إلى عدوها بسوء، ولم تأخذ منه بثأر؟ وهل عرف في التاريخ أن عدوين يلتقيان بعد طول صراع مرير مخضب بالدماء فلا يكون في لقائهما شحناء ولا بغضاء؟

إنما روح الإسلام الخالدة، التي لا تنتصر للنفس والذات بقدر ما تنتصر للإسلام، إنها القيادة الرحيمة، حتى بمن كانوا بالأمس أعداءها، لقد اجتمعت قريش حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذهول واستسلام، وفي داخل كل نفس صراع من الخوف والرجاء، حتى هتف فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما تظنون أني فاعل بكم؟». قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

هذا كل الحساب بين الجيش الزاحف المنتصر وبين أهل مكة المستسلمين (٢).


(١) انظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون ص١٤٠ - ١٤٣.
وانظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج١ ص١٠٢.
وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج٣ ص٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) انظر موسوعة التاريخ الإٍسلامي/ أحمد شلبي ج١ص٣٤٢.
وانظر فتح مكة/ محمد أحمد باشميل ص٢٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>