للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

[قصة سيدنا آدم عليه السلام]

[قصة سيدنا آدم في سورتي البقرة والاعراف]

قال تعالى في سورة البقرة:

{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فسواهن سَبْعَ سماوات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هاؤلاء إِن كُنْتُمْ صادقين * قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين * وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين * فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ * فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم * قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنآ أولائك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} .

****

وقال في سورة الأعراف:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هاذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين * قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ * يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} .

***

تبدأ هذه القصة في البقرة من أقدم حدث فيها حين أبلغ الرب ملائكته بقراره في أن يجعل في الأرض خليفة وذلك قبل خلق آدم. وفيها ذكر مراجعة الملائكة لربهم في هذا القرار مُبدينَ عدم رغبتهم في هذا الاستخلاف لأسباب ذكروها. فقطع عليهم تَخَوُّفَهم وظنونهم بعلمه الذي لا يُحَدُّ. ثم ذكر اختبار المفاضلة الذي أجراه بين آدم والملائكة ففضلهم فيه آدم، وثبت لهم فيه أنهم ليسوا أهلاً للاستخلاف في الأرض بخلاف آدم.

لقد ذكر هذه الأوليات في أول سورة في القرآن تذكر فيها القصة ولم يذكرها في موطن آخر، وذكرُ هذه الأوليات في هذا الموطن بالذات له أكثر من دلالة، فنية وغير فنية.

ومن بين جوانبها أنها وردت في المكان المناسب لها تماماً، فقد وردت أوليات القصة عند أول ذِكْرٍ لها في أول سورة من سور القرآن، كما أنها أول قصة افتتح فيها القصص القرآني. في حين ذكرت القصة في سورة الأعراف من مرحلة الخلق والتصوير فهي تبدأ بقوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) فكأنها كانت استكمالاً لما ورد في البقرة.

ذكر الله قصة آدم في البقرة بعد قوله تعالى: {وَالذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فسواهن سَبْعَ سماوات وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

وهذه الآية التي سبقت بها قصة آدم بدأت بتكريم الإنسان: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً} وختمت بالعلم: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

وجاءت القصة بعدها مبنية على هذين الركنين: تكريم آدم وتكريم العلم.

أما تكريم آدم فيظهر فيما يأتي:

١- ذكر استخلاف آدم في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} فهذا تكريم، إذا المستخلف ذو منزلة رفيعة ولا شك.

٢- تفضيل آدم على الملائكة بتعليمه الأسماء كلها مما لا يعلمه الملائكة.

٣- إسجاد الملائكة له.

وأما العلم في هذه القصة فقد تركز ذكره في ثلاث مجالات:

١- إثبات العلم الشامل لله.

٢- نفي العلم عن الملائكة إلا ما عَلَّمهم إياه ربُّ العزة.

٣- إثبات التعليم لآدم بما يصلح أن يقوم به أمرُ الخلافة ويستقيم.

ومن هذا يتبين أن القصة وقعت في سياقها أحسن موقع وأجمله. فكأنها جاءت تفصيلاً لما أجمل في الآية قبلها.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن ذكر استخلاف آدم في الأرض لم يرد إلا في هذا المكان، ولم يرد في أي مكان آخر من القرآن الكريم. وهو أنسب مكان له أيضاً إذ الاستخلاف الناجح لا بد أن يتم له أمران:

الأول: أن يكون للخليفة حَقُّ التصرف والتدبير فيما استُخلِفَ فيه.

والثاني: أن تكون له القدرة على هذا التصرف، وأن يكون اختياره قائماً على العلم بإمكانيته وقدراته على هذا الاستخلاف.

أما الجانب الأول وهو جانب التدبير والتصرف فقد فوضه به ربه بأوسع نطاق بقوله: {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً} فلو لم يخلق له ما في الأرض جميعاً ما صَحَّ أن يكون خليفة الله فيها.

وأما من حيث إمكانياته وقدراته فقد تبين بالاختبار أنه أصلح المخلوقات لهذه المهمة، هذا علاوة على أن الذي اختاره عالم الغيب والشهادة.

وقد ذكرت الآية التي وردت في مقدمة القصة هذين الركنين وهما قوله:

{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً} وقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

فتكون الآية أجملت ركني الاستخلاف أيضاً، وبهذا تقع مسألة الاستخلاف هذه في أنسب مكان لها أيضاً.

ويتبين مما مر:

أنَّ الآية التي وقعت في مقدمة القصة أجملت قصة آدم من ناحية، وأجملت ركني الاستخلاف المذكور فيها من ناحية أخرى.

فتكون قصة آدم بصورتها هذه وقعت في أنسب سياق لها وأعجبه.

هذا من حيث التفصيل السياقي للقصة، وأما من حيث الإجمال فإننا يمكننا القول: إنّ القصة في هذا الموطن في كل حلقاتها ومجالاتها مبنية في الحقيقة على تكريم آدم، وكل الجوانب الأخرى المذكورة فيها إنما تخدم هذا التكريم. فتكريم العلم إنما ظهر في العلم الذي يحمله آدم، ومسألة الاستخلاف إنما تدور على استخلاف آدم. فهي تدور أساساً على تكريم آدم. وكل ما فيها من ألفاظ ومواقف إنما هي مبنية على هذا التكريم.

في حين أن القصة في الأعراف ليست مبنية على هذا الأمر بل لها غرض آخر، وقد وقع فيها التكريم ثانوياً. ونظرة واحدة إلى السياق الذي وقعت فيه القصة والتعبيرات التي وردت فيها تُريك مصداق هذه الأمر.

لقد بدأت القصة في الأعراف بعد قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} .

وأنت ترى الفرق واضحاً من حيث التكريم بين قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً} وقوله: {مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} . وغَنيٌّ عن القول إنّ التعبير الأول يدل على تكريم أكبر من الثاني. ثم انظر كيف ختم الآية بقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فهي في مقام العتاب على بني آدم ومؤاخذتهم على قلة شكرهم وليست في مقام تكريمهم. وقبلها قال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} فأنت ترى أن المقدمتين تختلفان، وكل قصة إنما جاءت منسجمة مع مقدمتها.

أما من حيث السياق فإن القصة وقعت في الأعراف في سياق العقوبات وإهلاك الأمم الظالمة من بني آدم، وفي سياق غضب الرب سبحانه فقد قال قبلها: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

فقد ذكر أنه عاقب قسماً كثيراً من بني آدم وأنزل عليم بأسه لظلمهم، فالفرق واضح بين السياقين. ولذا بنيت كل قصة على ما جاء في سياقها. وإليك إيضاح ذلك:

١- لقد ذكر معصية إبليس في البقرة بقوله: {أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين} فقد جمع لإبليس الإباء والاستكبار والكفر للدلالة على شناعة معصيته بحق آدم الذي أكرمه الله وعلّمه. ولم يقل مثل ذلك في أي مكان آخر من القرآن بل هو إما أن يقول: (أبى) وإما أن يقول: (استكبر) كما سنرى ذاك، ولم يجمعهما إلا في هذا الموطن. وأما في الأعراف فقد قال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين} وأنت ترى الفرق واضحاً بين التعبيرين. فقد ذكرت كل عبارة بحسب موقف التكريم.

٢- قال في البقرة: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة} .

وقال في الأعراف: {وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هاذه الشجرة} .

وأنت تلاحظ الفروق بين التعبيرين في هاتين الآيتين. فقد قال:

في البقرة في الأعراف

ــ

وقلنا يا آدم اسكن ويا آدم اسكن

وكلا منها فكلا

رغداً -

حيثُ شئتما من حيث شتما

فقد أسند القولَ في البقرة إلى نفسه (وقلنا يا آدم) وهذا يقوله القرآن في مقام التكريم والتعظيم، فإن الله سبحانه يظهر نفسه في مقام التفضل والتكريم، في حين جمع بين طرد إبليس وإسكان آدم بقول واحد في الأعراف وهو لفظ (قال) بإسناد القول إلى الغالب: {قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً ... * وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة} فلم يُفْرد آدم بقول.

وناسب التكريم والتعظيم أن يذكر (رغداً) في البقرة دون الأعراف لأن المقامين مختلفان.

جاء في (البرهان) للكرماني: "وزاد في البقرة (رغداً) لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: (وقلنا) بخلاف سورة الأعراف فإن فيها: قال".

وقال في البقرة: (وكلا) وقال في الأعراف: (فكلا) فجاء بالواو في البقرة وجاء بالفاء في الأعراف. والواو لمطلق الجمع والفاء تفيد التعقيب والترتيب. فالواو أوسع من الفاء لأن من جملة معانيها معنى الفاء، فيصح أن يكون معطوفها مفيداً للتعقيب ولغيره. جاء في (التفسير الكبير) : "قال في سورة البقرة: (وكلا منها رغداً) بالواو وقال ههنا: (فكلا) فما السبب فيه؟

وجوابه من وجهين:

الأول: أن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو. ولا منافاة بين النوع والجنس".

فالواو صالحة لجميع الأزمان بما فيها معنى الفاء. أما الفاء فتفيد التعقيب، أي: أن يعق المعطوف بعد المعطوف عليه مباشرة. فجاء بالواو في سورة البقرة للدلالة على السعة في الاختيار، وهو المناسب لمقام التكريم. ألا ترى لو قلت لشخص ما: (ادخل وكل) كان له الحق في أن يأكل متى شاء عل حسب رغبته، فمتى أكل كان موافقاً للأمر.

ولو قلت: (ادخل فكل) كان عليه أن يأكل في عقب الدخول ولو تأخر لكان مخالفاً للأمر ويحق لك أن تمنعه منه. فالواو أوجب زمناً من الفاء. فذكر كل حرف من المكان الذي هو أليق به.

وقال في البقرة: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} .

وقال في الأعرف: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} .

فقد أعاد ضمير الجنة في البقرة مع الأكل فقال: (منها) ولم يُعِدْهُ في الأعراف. فأنت ترى أنه ذكر الجنة وضميرها في البقرة. وهو المناسب لمقام التكريم فيها، ولم يفعل مثل ذلك في الأعراف.

ثم إنّ الظرف (حيث شئتما) في البقرة يحتمل أن يكون للسكن والأكل جميعاً والمعنى: (اسكنا حيث شئتما وكلا حيث شئتما) فالسكن حيث يشاءان والأكل حيث يشاءان أيضاً.

وأما التعبير في الأعراف فلا يحتمل إلا أن يكون للأكل (فكلا من حيث شئتما) ولا يصح تعليقه بالسكن، فلا يصح أن يقال: (اسكنا من حيث شئتما) فالمشيئة والتخيير في البقرة أوسع لأنها تشمل السكن والأكل بخلاف الأعراف، وهو المناسب لمقام التكريم في البقرة كما هو ظاهر.

٣- قال في البقرة: {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا} .

وقال في الأعراف: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} .

والإزلال غير التَدْلِيَةِ فإن الزلة قد تكون في الموضع نفسه، وأما التدلية فلا تكون إلا إلى أسفل، ذلك أنها من التدلية في البئر فإذا دلّيت أحداً فقد أنزلته إلى أسفل، بخلاف الزلة فقد لا تكون إلى أسفل. ومعنى (دلاّهما) : أنزلهما من مكان إلى مكان أَحطّ منه. فخفف المعصية في البقرة وسماها زلة مراعاة لمقام التكريم بخلاف الأعراف. فاستعمل كل تعبير في المكان الذي هو أليق به.

٤- لم يذكر في البقرة معاتبة الرب أو توبيخه لآدم وزوجه على معصيتهما مراعاة لمقام التكريم بخلاف الأعراف فقد ذكر أنه عتبهما عليها فقال: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} . ولا شك أن مرتبة العتاب آدنى من عدمه.

ثم انظر كيف ناسب هذا العتاب لأبوي البشر في الجنة عتاب أبنائهما في الدنيا في الآية التي سبقت هذه القصة: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} وكيف وقعا موقعاً تناسقاً واحدا

٥- طوى في البقرة تصريح آدم عن نفسه بالمعصية ولم يذكرها إكراماً له في حين ذكرها في الأعراف فقال: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} .

وانظر بعد هذا كيف يتسق ندم آدم ههنا مع ما ذكره قبل القصة من ندم المعاقبين من بني آدم {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قالوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

ثم انظر كيف اتفق الندمان على أمر واحد وهو الظلم فقال آدم: {ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} وقال أبناؤه: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

ثم ارجع النظر مرة أخرى وانظر كيف كانت العقوبة على قدر الظلم، فقد قال آدم: (ظلمنا) بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والطروء للدلالة على أنها زلَّةٌ طارئة وليست معصية إصرار. وقال أبناؤه: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات على الظلم والإصرار فتاب على الأولين وأهلك الآخرين.

فانظر يا رعاك الله أيّ كلام هذا وأية لوحة فنية هذه!

٦- ذكر في البقرة أن آدم تلقّى من ربه كلمات فتاب عليه ولم يذكر ذلك في الأعراف، وإنما ذكر فيها أنّ آدم طلب من ربه المغفرة والرحمة ولم يذكر أنه تاب عليه.

فانظر الفرق بين المقامين:

مقام البقرة الذي لم يذكر فيه أن آدم طلب من ربه المغفرة وذكر أنه تاب عليه مع ذلك. ومقام الأعراف الذي ذكر فيه أن آدم طلب من ربه المغفرة ولم يذكر أنه تاب عليه. وانظر تناسب سياق البقرة مع مقام التكريم وسياق الأعراف مع مقام العتاب والمؤاخذة وقل: جَلَّ قائلُ هذا الكلام.

٧- قال في البقرة: {قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .

ولم يقل مثل ذلك في الأعراف. والتكريم واضح في هذه الآية إذ فيها وعد لمن تبع الهدى بالعودة إلى الجنة حيث لا خوف ولا حزن.

ثم انظر كيف قال: (تَبِعَ) بالتخفيف ولم يقل: (اتّبع) بالتشديد كما فعل في (طه) فقد قال فيها: {قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} [طه: ١٢٣] ذلك أن الفعل المشدد يفيد المبالغة فاكتفى في البقرة بالأخفِّ من الحدث ولم يشدّد عليهم تخفيفاً على البشر مراعاة لمقام التكريم.

هذا علاوة على أن في وضع كل فعل من هذين الفعلين في موضعه أسرار وأسرار.

منها: أن الفعل (تبع) تردد في سورة البقرة أكثر من أية سورة آخرى في القرآن الكريم، فوضعه في مكانه الذي هو أليق به. وقد مر بنا نظائر هذا الاستعمال.

ومنها: أن التخفيف الذي يفيد التلطف بالعباد جاء مع إسناد القول إلى نفسه وأن التشديد جاء مع إسناد القول إلى الغائب (قال) وقد ذكرنا أن الله سبحانه يظهر نفسه في موقف التلطف والتكريم. فوضعَ كلَّ فِعْلٍ في موضعه الذي هو أليق به.

ومنها: أن نهاية الآية في البقرة تتعلق بالآخرة وهو قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: في الآخرة. ونهاية الآية في (طه) تتعلق بالدنيا والآخرة وهو قوله: {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} [طه: ١٢٣] فقوله: (فلا يضل) متعلق بالدنيا لأن الضلال إنما يكون فيها: وأما في الآخرة فينكشف الغطاء ويصبح الناس كلهم على بصيرة. وقوله: (ولا يشقى) متعلق بالآخرة لأن الدنيا لا تخلو من الشقاء بدليل قوله تعالى لآدم قبيل الآية: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى} [طه: ١١٧] أي: إذا خرجت من الجنة شقيت، وقد أخرجهما من الجنة فلا بد من الشقاء إذن.

ولما كانت آية (طه) تتعلق بالدنيا والآخرة بخلاف آية البقرة زاد في بناء الفعل إشارة إلى زيادة متعلقه.

ثم إن كل آية من الآيتين تقتضي الفعل الذي اختير لها من جهة أخرى، ذلك أن آية (طه) تتضمن أمرين: مجاهدة الضلال في الدنيا والفوز في الآخرة. وآية البقرة تتضمن الفوز في الآخرة. والحالة الأولى تتطلب عملاً أكثر وأشق فجاء الفعل الدال على المبالغة والتكلف للأمر الشاق، وجاء بالفعل الخفيف للعمل الخفيف.

وقد تقول: أفلا يتطلب الفوز في الآخرة مجاهدة الضلال في الدنيا؟ فأقول: إنَّ الفوز في الآخرة على مراتب بعضها أعلى من بعض. وليس كل الناجين في الآخرة ممن كانوا يجاهدون الضلال في الدنيا أم لم يضلوا في أمر من الأمور. فمجاهدة الضلال والتحري لعدم الوقوع فيه مرتبة عالية تتطلب جهداً كبيراً ومشقة في العمل. فوضع كل فعل في المكان الذي يقتضيه تماماً.

فانظر كيف يراعي في اختيار اللفظة أوجهاً متعددة، كل وجه يقتضيها من ناحية وينادي عليها بحيث تكون اللفظة كأنها مصوغة لهذا الموضع، أو أن الموضع كأنما أُعد إعداداً لتحل فيه.

ثم انظر هداك الله أيمكن أن يكون هذا من كلام البشر؟!

٨- قال: في الأعراف: {فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ الساجدين} وقال فيها أيضاً: {فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} .

وقال في خاتمة السورة: {إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: ٢٠٦] فناسب بين القصة وخاتمة السورة، ذلك أنه نفى عن ملائكة التكبر وأثبت لهم السجود، بخلاف إبليس الذي أثبت له لتكبر ونفى عنه السجود.

وقال في البقرة في إبليس: {وَكَانَ مِنَ الكافرين} وقال في خاتمة السورة: {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} فلاءم بين القصة وخاتمة القصة كما فعل في الأعراف.

ونحو ذلك قوله تعالى على لسان إبليس في قصة الأعراف: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} وقوله تعالى في مقدمة القصة: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فقد لاءم بين الآيتين أجمل ملاءمة، فقد قطع إبليس عهداً على نفسه بأنه سيحول بين بني آدم والشكر. وظاهر أن بني آدم وقعوا في شَرَك إبليس الذي نصبه لهم لئلا يشكروا فكانوا كما أراد (قليلاً ما يشكرون) . وصدق قول الله فيهم: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين} [سبأ: ٢٠] . فقد استجابوا لوسوسته كما استجاب أبوهم لها من قبل ولا حول ولا قوة إلا بالله.

٩- قال تعالى في الأعراف: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} فذكر أن الغرض من الوسوسة هو أن يبدي لهما السوءات المخيفة. وقد وقع ذلك فعلاً: {فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة} بُغيةَ سَتْرها. وعقب على ذلك بقوله: {يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذلك} .

وهذا التعقيب هو المناسب لظهور السوءات وانكشافها في الجنة. ثم انظر كيف ذكر ههنا كلمة (لباس) مع التقوى فقال: {وَلِبَاسُ التقوى} مناسبة لما مر من السياق. فالتقوى لبس يواري السوءات الباطنة، واللباس والرياش يواري السوءات الظاهرة. فانظر هذا التناسب الجميل.

جاء في (التفسير الكبير) : "إنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها أَتبعه بأن بيّن أنه خلق اللباس للخَلْقِ ليستروا بها عوراتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر".

ثم انظر إلى تحذير الله لذرية آدم وكيف يتناسب وما مر فقال: {يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} .

وانظر بعد ذلك كيف أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد فقال: {يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} . والزينة هي الرياش واللباس.

وعقب بعد ذلك بقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق} .

ثم انظر بعد ذلك كيف قال في عذاب أهل جهنم: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} وكيف ناسب كل ذلك ما مر في قصة آدم.

فأنت ترى أن الشيطان نزع عن أبوينا اللباس في الجنة، وهو في هذه الدار حريص على أن يفتتنا لنتعرى من اللباس الظاهر والباطن، ولا يرضى في الآخرة إلا بأن نتسربل من سراسبيل جهنم أعاذنا الله منها وأن يكون لنا منها مهاد وغواشٍ نسأل الله العافية.

فانظر أي تناسق هذا وأي فن عجيب.

<<  <   >  >>