للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الذكر والحذف]

يدخل في هذا الموضوع ما حذف وأصله أن يذكر، كحذف حرف أو فعل أو اسم مما أصله أن يذكر.

كما يدخل فيه في ما ذكر في موطن، ولم يذكر في موطن آخر يبدو شبيهاً به لأن الموطن أقتضاء.

القسم الأول:

قد يحذف في التعبير القرآن لفظ أو أكثر حسبما يقتضيه السياق، فقد يحذف حرفاً أو يذكره أو يجتزئ بالحركة للدلالة على المحذوف، كل ذلك لغرض بلاغي تلحظ فيه غاية الفن والجمال، فمن ذلك قوله تعالى:

{فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} [الكهف: ٩٧] .

وهذه الآية قالها ربنا في السَّدِّ الذي صنعه ذو القرنين من قطع الحديد والنحاس المُذاب. قال تعالى على لسان ذي القرنين: {آتُونِي زُبَرَ الحديد حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين قَالَ انفخوا حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً} [الكهف: ٩٦-٩٧] .

قال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي: يصعدوا عليه، فحذف التاء، والأصل: (استطاعوا) ، ثم قال: (وما استطاعوا له نقباً) بإبقاء التاء. وذلك أنه لما كان صعود السد الذي هو سبيكة من قطع الحديد والنحاس أيسرُ من نَقْبهِ وأخف عملاً، خَفَّفَ الفعل للعمل الخفيف، فحذف التاء، فقال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) وطَوَّلَ الفعلَ فجاء بأطول بناء له للعمل الثقيل الطويل فقال: (وما استطاعوا له نقباً) فحذف التاء في الصعود وجاء بها في النقب.

ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ٥٢] .

وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: ١١١] .

فَحُذفت النون من (أنّا) في آية آل عمران، وثَبتت في آية المائدة فقيل: (أننا) وسبب ذلك والله أعلم "أن آية المائدة لما ورد فيها من التفصيل فيما يجب الإيمان به وذلك قوله: (أن آمنوا بي وبرسولي) فجاء على أتم عبارة في المطلوب وأوفاها ناسب ذلك (أننا) على أوفى الحالين وهو الورود على الأصل. ولما لم يقع إفصاحٌ بهذا التفصيل في سورة آل عمران حين قال تعالى: (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله) ، فلم يقع هنا: (وبرسوله) إيجازاً للعلم به وشهادة السياق ناسب هذه الإيجازُ الإيجازَ، كما ناسب الإتمامُ فيى آية المائدة الإتمامَ، فقيل هنا: (واشهد بأنَّا مسلمون) وجاء كُلٌّ على ما يجب، ولو قدّر ورود العكس لما ناسب".

يضاف إلى ذلك أنه قال في المائدة: (وإذا أوحيت إلى الحواريين) أي، أن الله هو الذي أوحى إليهم وثَبَّتهم، فناسب ذلك زيادة النون تأكيداً لأن النون قد تأتي في مقام التأكيد.

ولم يَرِدْ مثلُ ذلك في آية آل عمران فناسب كُلٌّ في موضعه.

ومن ذلك قوله تعالى في سورة النحل: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: ١٢٧] .

وقوله في سورة النمل: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل: ٧٠] .

فحذف نون (تكن) في آية النحل، وأبقاها في آية النمل. وذلك أن السياق مختلف في السورتين.

فالآية الأولى نزلت حين مَثَّلَ المشركون بالمسلمين يوم أُحد: "بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مُثِّلَ به فرآه مبقور البطن فقال: "أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك". فنزل قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ} فَكفَّرَ عن يمينهِ وكَفَّ عما أراده"

فقد أوصاه ربنا بالصبر ثم نهاه أن يكون في ضيق من مكرهم فقال له: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [لنحل: ١٢٧] أي: لا يكن في صدرك ضيق مهما قلَّ. فحذف النون من الفعل إشارة إلى ضرورة حذف الضيق من النفس أصلاً.

وهذا تَطييبٌ مناسب لضخامة الأمر وبالغِ الحزن، وتخفيف لأمر الحدث وتهوينه على المخاطب، فخفف الفعل بالحذف إشارةً إلى تخفيف الأمر وتهوينه على النفس.

أما الآية الثانية فهي في سياق المحاجّة في المعاد، وهو مما لا يحتاج إلى مثل هذا التصبير قال تعالى: {وَقَالَ الذين كفروا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هاذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين * قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل: ٦٧-٧٠] .

جاء في (البرهان) للكرماني: إنما خُصَّتْ سورة النحل بحذف النون موافقة لما قبلها وهو قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين} [النحل: ١٢٠] .

والثاني: "أن هذه الآية نزلت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حين قُتل عمه حمزة ومُثِّلَ به فقال عليه الصلاة والسلام: "لأَفعلنَّ بهم ولأصنعن"

فأنزل الله تعالى: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: ١٢٦-١٢٧] ليكون ذلك مبالغة في التسلّي، وجاء في النمل على القياس لأن الحزن هناك دون الحزن هنا والله أعلم".

ونحو هذا قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} [هود: ١٧] .

وقوله: {فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} [السجدة: ٢٣] .

فقال في الآية الأولى: (فلا تك في مرية) بحذف نون تكن. وقال في الثانية: (فلا تكن في مرية) بذكرها وذلك أن السياق في الآيتين مختلف، فقد قال في الآية الأولى: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً أولائك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: ١٧] .

وقال في الثانية: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: ٢٣-٢٤] .

فإن الآية الأولى تَثبيتٌ للرسول ونَهيٌ له عن الريب والمِرْية، فقد بدأ الكلام بقوله: إنه كان على بينة من ربه، ثم يتلوه شاهد منه، ثم قبله كتاب موسى، وختمه بقوله: (إنه الحقُّ من ربك) فناسب ذلك أن يقال: (فلا تك في مرية منه) بخلاف الآية الأخرى فإنها ليس فيها مثل هذه الدواعي كما تَرى.

ثم إن الكلام في الآية الأولى على القرآن الكريم وعلى قوم الرسول وتهديد من يكفر به، والكلام في الثانية على التوراة وبني إسرائيل.

فناسب الحذف من الآية الأولى دون الثانية تثبيتاً للرسول ونهياً له عن الريبة فيه، وذلك أنه طلب منه أن لا يكون في شيء من المرية أصلاً. فلما كان الكلام في القرآن وفي قومه ناسب الحذف ها هنا دون الثانية.

وجاء في (البرهان) للزركشي أن حذف النون في نحو هذا قد يكون "تنبيهاً على صغر مبدأ الشيء وحقارته، وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه غير الله مثل: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً} [القيامة: ٣٧] حذف النون تنبيهاً على مبتدأ الإنسان وصِغَرِ قَدْرِهِ بحسب ما يدرك هو من نفسه ثم يترقى في أطوار التكوين: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [يس: ٧٧] فهو حين كان نطفة كان ناقص الكون..

وكذلك {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها} [النساء: ٤٠] حذفت النون تنبيهاً على أنها وإن كانت صغيرةَ المقدار حقيرة في الاعتبار فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها، ومثلها: {يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} [لقمان: ١٦] ، وكذلك: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ} [غافر: ٥٠] جاءتهم الرسل من أقرب شيء في البيان الذي أقل مبدأ فيه، هو الحس إلى العقل إلى الذكر، ورقَّوهم من أخفض رتبة وهي الجهل إلى أرفع درجة في العلم وهي اليقين، وهذا بخلاف قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: ١٠٥] فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتَمَّ. وكذلك: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} [النساء: ٩٧] هذا قد تم تكوينه ... وكذلك {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ} [غافر: ٨٥] انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله ما انتفى أصله".

ومن ذلك ذِكْرُ ياء المتكلم أو حذفها والاجتزاء بالكسرة، وإن لم تكن ياء المتكلم من الحروف، وذلك نحو قوله تعالى:

{قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ١٩٥] .

وقوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: ٥٥] .

فقد حذف الياء واجتزأ بالكسرة في الأعراف فقال: (ثم كيدون) وذكرها في هود فقال: (فكيدوني) .

ويمكن هنا أن نذكر أصلاً عاماً في ذكر الياء وحذفها وهو:

أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء يختلف عن ذكر الياء في كل ما ورد في القرآن الكريم عدا خواتم الآي والنداء، ولها في كل ذلك خط عام إضافة إلى السياق الخاص، ففي كل موطن ذكر الياء فيه يكون المقام مقامَ إطالة وتفصيل في الكلام، بخلاف الاجتزاء بالكسرة فإن فيه اجتزاء في الكلام.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الياء تتردد مُظهرةً في المواطن التي تذكر فيها الياء أكثر من المواطن التي يجتزأ بالكسرة عنها.

وقد تتردد الكلمة ذات الياء المظهرة في السورة أكثر من تردد الكلمة ذات الياء المجتزأة في موطنها.

هذا علاوة على السياق لخاص الذي يقتضي الذكر والحذف كما سنبين، ونعود إلى الآيتين اللتين ذكرناهما، فإن المقام في هود مقام تحدٍّ كبير ومواجهة، فأظهر نفسه زيادة في التحدي، إذ المتحدي وطالب المواجهة لا بد أن يظهر نفسه وليس الأمر كذلك في الأعراف فإنه ليس فيها هذا التحدي، يدل على ذلك سياق كل من الآيتين فقد قال في الأعراف:

{إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ١٩٤-١٩٥] .

وأما هود فالمقام فيها مختلف فقد دعاهم هود إلى عبادة الله وحده وترك ما عداه فقال لهم: {ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} [هود: ٥٠] ونصح لهم بالتوبة والاستغفار ليرضى عنهم خالقهم ويزيدهم من فضله فرفضوا قوله وردّوا عليه قائلين: {ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بتاركي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: ٥٣-٥٥] .

فهم لم يكتفوا بردِّ دعوتهِ وعدم التصديق به، بل قالوا له: إن بعض آلهتهم اعتراه بسوء مما جعله يتحداهم ويتحدى آلهتهم، فأشهد الله وأشهدهم على البراءة من آلهتهم، ثم دعاهم جميعاً إلى كيدهم له ثم لا يمهلونه إن استطاعوا، فزاد كلمة: (جميعاً) زيادة في التحدي رداً على قولهم: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء} [هود: ٥٤] .

إنهم قالوا له: إن أحد آلهتهم اعتراه بسوء، فتحدى الجميع ثم أظهر نفسه، فذكر الياء زيدة في التحدي.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن التحدي والمواجهة في هود أطول وأكثر مما في الأعراف (انظر الآيات ٥٠-٥٨) فذكر الياء في هود لأن الياء أطول من الكسرة. وحذف الضمير واجتزأ بالكسرة في الأعراف، فناسب بين طول الكلمة والسياق، فجعل الكلمة الطويلة للسياق الطويل والكلمة المتجزأة للسياق المجتزأ. ومن ناحية أخرى نرى أنه قد تردد ذكر ياء الضمير في هود في هذا الموطن مرات عديدة وليس الأمر كذلك في الأعراف فقد قال: {إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء.. *.. فَكِيدُونِي جَمِيعاً.. * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ.. إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ.. إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: ٥٤-٥٧] .

وليس الأمر كذلك في الأعراف فإنه لم يظهر الياء في السياق إلا مرة واحدة وهو قوله: {إِنَّ وَلِيِّيَ الله} [الأعراف: ١٩٦] .

فناسب ذكر الياء ما ورد في هود: وناسب الاجتزاء بالكسرة سياق ما ورد في الأعراف.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال في آية الأعراف: {ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ١٩٥] فأدخل (ثم) على الكيد والفاء على الإنظار. وفي هود بالعكس أدخل الفاء على الكيد و (ثم) على الإنظار. والفاء تفيد التعقيب أما (ثم) فتفيد التراخي. فقد طلب منهم في الأعراف عدم المهلة في الإنظار. وعدم الإنظار هو المناسب لسياق الأعراف، فقد ذكر في هذه السورة تعجيل العقوبات لمستحقيها في الدنيا. بخلاف سورة هود فإن سياقها في الإمهال في إيقاع العقوبات.

فقد بدأت الأعراف بقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: ٤] فذكر حلول العقوبات وإهلاك الأمم.

في حين قال: في هود: {وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: ٣] فذكر التمتع والإمهال.

وقال في هود أيضاً: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: ٨] فذكر تأخير العذاب إلى أجل وهو الإمهال.

وقال في الأعراف: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: ٩٥] فقال: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأعراف: ٩٥] بعد قوله: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة} [الأعراف: ٩٥] ، وهو نظير قوله: {ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ١٩٥] . فالاستدراج المذكور في الآية وهو قوله: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة} [الأعراف: ٩٥] نظير الكيد في قوله: {ثُمَّ كِيدُونِ} [الأعراف: ١٩٥] معنى واستعمالاً فكلاهما بثم وكلاهما إمهال.

وقوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأعراف: ٩٥] نظير قوله: {فَلاَ تُنظِرُونِ} فكلاهما بالفاء وكلاهما عدم إنظار.

فانظر إلى التناظر الجميل بين الآيتين.

{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة} [الأعراف: ٩٥] {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} .

{ثُمَّ كِيدُونِ} [الأعراف: ٩٥] {فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ٩٥] .

ثم انظر إلى القصص في السورتين ترَ الفرق واضحاً بين السياقين.

فانظر إلى قصة نوح في الأعراف فهي موجزة، وظاهرٌ فيها عدم الإمهال فقد قال لهم نبيهم: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: ٦٣] وبعدها قال الله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [الأعراف: ٦٤] .

فجاء بالفاء دالاً على سرعة إنزال العقوبة وعدم الإنظار {فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ} [الأعراف: ٦٤] .

أما في هود فالكلام طويل وهناك مهلة حتى استبطؤوا ما وعدهم به: {قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود: ٣٢-٣٣] .

وكذلك قصة عاد فقد قال في خاتمتها في الأعراف: {فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: ٧٢] .

وقال في هود: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هاذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: ٥٨-٦٠] .

فانظر كيف عجّل العقوبة لهم في الأعراف فجاء بالفاء الدالة على عدم الإمهال، بخلاف ما في سورة هود.

وكذا قصة صالح فقد قال في نهايتها في الأعراف: {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: ٧٨] .

وقال في هود: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي العزيز * وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: ٦٦-٦٧] .

فذكر إنزال العقوبة بالفاء في الأعراف: {فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة} [الأعراف: ٧٨] وقال في هود: {وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة} [هود: ٦٧] .

وهكذا، فأنت ترى أن سياق الأعراف هو عدم المهلة في الإنظار، بخلاف السياق في سورة هود. ولذا كان الأليق أن يأتي بالفاء مع عدم الإنظار في الأعراف فيقول: (فلا تنظرون) وأن يأتي بـ (ثم) معه في هود فيقول: (ثم لا تنظرون) .

وهنالك أمر فني آخر، وهو أنه حيث اجتمعت ثم والفاء في الأعراف قدم (ثم) على الفاء، ومنها الآية المذكورة وفي هود بالعكس.

فقد قال في الأعراف: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الأعراف: ١١] .

وقال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: ٩٥] .

وقال: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا} [الأعراف: ١٠٣] .

وقال: {ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} [الأعراف: ١٩٥] .

وقال في هود: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: ٥٥] .

وقال: {فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ} [هود: ٦١] .

فما أجمل هذا التناسق وما أجلَّ هذا الكلام!

ومن ذلك: أي ذِكْرُ ياءِ المتكلم أو حذفها قوله تعالى: {وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هاذا رَشَداً} [الكهف: ٢٤] .

وقوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} [القصص: ٢٢] .

فإنه حذف ياء الضمير واجتزأ بالكسرة في (الكهف) فقال: (يهدين) ، وأَبرزَ الضميرَ في القصص فقال: (يهديني) وذلك أن المقام يستدعي إبراز ياء المتكلم، لأنه مقام التجاءٍ وخوفٍ وخشية، والخوف يستدعي أن يلصق الإنسان بمن يحميه ويلقي بنفسه كلها عليه، ويستدعي أن يلتجئ إلى من ينصره ويأخذ بيده بكل أحاسيسه ومشاعره التجاءً كاملاً، وهذا هو الموقف الأول، فقد خرج موسى خائفاً يترقب فاراً من بطش فرعون، فالتجأ إلى ربه التجاء الخائف الوَجِلِ طالباً منه أن يهديه سواء السبيل، ولذا أظهر الياء دلالة على كمال الالتجاء وإلقاء النفس كلها أمام خالقه.

بخلاف ما في الكهف فإنه ليس المقام كذلك فإنه قال: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هاذا رَشَداً} [الكهف: ٢٣-٢٤] .

فالفرق كبير بين المقامين، فمقام موسى في القصص يستدعي إلقاء النفس كلها أمام ربه وخالقه. ولما كان الخائف الضعيف يطلب أولاً من يحميه ويلتجئ إليه قدم (الرب) على فعل الهداية لأنه هو الملجأ فقال: {عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} [القصص: ٢٢] .

بخلاف ما في الكهف فإن المقام فيها مقام ذكر القول الحق فيما اختلفت فيه الأقوال، وبيان الأمر الصحيح فيما تباينت فيه الآراء، وهذا أمر يحتاج إلى الهداية والرشد، فقدم الهداية وهذا من دقيق الاستعمال.

ثم لننظر من ناحية أخرى فإن ياء الضمير تكرر في (القصص) أكثر مما في الكهف فناسب ذكر الياء في القصص.

ثم إن لفظ الهداية تكرر في القصص اثنتي عشرة مرة. أما في الكهف فقد تردد خمس مرات، فزاد اللفظ في القصص لما زاد تردده. وهذا الأمر مراعى في القرآن الكريم كما ذكرت. ألا ترى كيف قال الله تعالى في سورة الأعراف: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي} [الأعراف: ١٧٨] بإثبات الياء، في حين قال في سورة الإسراء: {وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد} [الإسراء: ٩٧] ، وفي سورة الكهف: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد} [الكهف: ١٧] . بالاجتزاء بالكسرة فيهما، وذلك أن لفظ الهداية تردد في سورة الأعراف أكثر مما تردد في سورتي الإسراء والكهف مجتمعتين. فقد ورد في الأعراف سبع عشرة مرة، في حين ورد في الإسراء ثماني مرات وفي الكهف ست مرات، فلما زادت ألفاظ الهداية في سورة الأعراف على ما في السورتين زاد لفظ: (المهتدي) على ما في السورتين.

وقال: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة} [الإسراء: ٦٢] بالاجتزاء بالكسرة.

وقال: {لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [المنافقون: ١٠] ، فذكر الياء. وذلك أنه تردد فعل التأخير مرتين في سورة (المنافقون) في حين ذكر مرة واحدة في سورة (الإسراء) فزاد في موطن الزيادة وحُذِفَ من موطن الاجتزاء.

ونعود إلى آيتي الهداية في القصص والكهف، فنقول علاوة على ما مر: إن مقام التبسط والتطويل في (القصص) في قصة موسى أكثر بكثير مما ورد في (الكهف) ، فإن المقام في (الكهف) مقام إيجاز جاء عرضاً في أثناء قصة أصحاب الكهف. فلما طوَّل الكلام وتَبسَّط طوّل الفعل بذكر الضمير في (القصص) ، ولما اجتزأ القول في (الكهف) اجتزأ بذكر الكسرة عن الضمير، وهو نظير ما سبق ذكره في الآيتين السابقتين.

ومما حسّن الحذف في الكهف علاوة على ما ذكرنا حذفه الياء من لفظ الهداية في موضع آخر من السورة، واجتزاؤه بالكسرة، وذلك هو قوله تعالى: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} [الكهف: ١٧] هذا علاوة على حذف الياء في مواطن أخرى متعددة في هذه السورة، وذلك نحو قوله تعالى: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} [الكهف: ٣٩] بحذف الياء من (ترني) .

وقوله: {فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} [الكهف: ٤٠] بحذف الياء من (يؤتيني) .

وقوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [لكهف: ٦٦] بحذف الياء من (تعلمني) .

وقوله: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: ٦٤] بحذف الياء من (نبغي) .

فانظر كيف تعاضد المعنى والسياق والألفاظ والإحصاء على وضع كل لفظة في موضعها.

ومن هذا النوع من الذكر والحذف قوله تعالى:

{إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني} [البقرة: ١٥٠] .

وقوله: {اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون} [المائدة: ٣] .

وقوله: {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون} [المائدة: ٤٤] .

فذكر الياء في (اخشوني) في آية البقرة، وحذفها واجتزأ بالكسرة في آيتي المائدة، وذلك أن السياق في البقرة يستدعي تحذير المسلمين من خشية الناس وعدم الالتفات إلى أراجيفهم، كما يستدعي توجيههم إلى مراقبة الله تعالى وخشيته أكثر بكثير مما في المواطنين الآخرين، وذلك أن السياق في البقرة في تبديل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في مكة، وقد أرجف اليهود والمنافقون بسبب هذا التغيير وأكثروا القول فيه، فاستدعى ذلك توجيه المسلمين إلى عدم الالتفات إلى أقوال أعداء الله أو خشيتهم، وإنما عليهم أن يخشوا الله وحده فأبرز الضمير العائد على الله فقال: (فلا تخشوهم واخشوني) . فقد بدأت الآيات بقوله: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: ١٤٢] .

إلى أن يقول: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: ١٤٩-١٥٠] .

في حين كان سياق الآية الثانية يختلف عن ذلك، فهو يدور على ذكر المحرمات من الأطعمة. قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير} [المائدة: ٣] ثم قال: {اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون} [المائدة: ٣] فالكفار يائسون من محاربة الإسلام بعد أن أظهره الله وأعلى كلمته.

فالمحاربة في الموقف الأول ومظنة خشية الناس أكبر، بخلاف آية المائدة التي أنزلت بعدما أظهر الله دينه.

وكذا الأمر في الآية الأخرى وهي الآية ٤٤ من سورة المائدة، فإنه ليس فيها ما يستدعي الخشية من الناس، وليس فها إرجاف ولا محاربة. قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون} [المائدة: ٤٤] . فانت ترى أن سياق آية البقرة وما فيها من خصومة وملاحَّة ومحاجَّة ومحاربة يستدعي جانباً كبيراً من الخشية، فأظهر الله نفسه طلباً لمراقبته وخشيته وعدم الاكتراث بأقوال المرفجين، بخلاف ما في الآيتين الأخريين.

ثم انظر طول السيا وتكراره في سورة البقرة فقد بدأ بقوله:

{سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: ١٤٢] .

وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} [البقرة: ١٤٣] .

فذكر أن تغيير القبلة كبير عند الناس.

ثم ذكر بعدها: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤] .

ثم أخبر أن الذين أوتوا الكتاب لا يتبعون قبلة الرسول مهما جاءهم بالبينات فقال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} [البقرة: ١٤٥] وهكذا.

فأنت ترى أنه أطال القول ههنا، فكان المناسب أن يطيل بذكر الضيمر أيضاً وهو المناسب لإطالة السياق بخلاف ما في الآيتين الأخريين.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إنه أبرز الضمير (الياء) في سياق آية البقرة أكثر مما في المواطنين الآخرين من مثل قوله: (وأخشوني) : و (ولأتم نعمتي) (فاذكروني) (واشكروا لي) وغيرها.

فناسب كل ذلك الياء في آية البقرة بخلاف آيتي المائدة.

وهذا كما ترى نظير ما مر من ذكر الياء وحذفها آنفاً.

وشبيه بهذا الذكر والحذف وليس منه قوله تعالى:

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خَيْراً قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: ١٥٨] .

وقوله: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأعراف: ٥٢-٥٣] .

وقوله: {وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: ١٠٢-١٠٥] .

فحذف الياء من (يأت) ، واجتزأ بالكسرة في آية هود دون الآيتين السابقتين. ولهذا الحذفِ سَببهُ. فقد ذكر الله في عدة مواطن من هود تَعجُّلَ الذين كفروا للعذاب. كما تردد الوعد بقرب نزوله فقد قال: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} [هود: ٨] .

وقال قوم نوح: {قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [هود: ٣٢] .

وقال صالح لقومه: {وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: ٦٤-٦٥] .

وقال في قوم لوط: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ} [هود: ٨١] .

وقال في موطن آخر: {وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ} [هود: ٨٣] .

فأنت ترى أنه تردد استعجال العذاب من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه تردد الوعد بقرب حلوله، فكان من المناسب الحذف من فعل الإتيان إشعاراً بقرب حلوله.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر في سورة (هود) عقاب الأمم السابقة وهلاكهم، ثم ذكر أن يوم القيامة آتٍ وأنه سيحل فيه عقاب الكافرين كما حل عقاب الأمم السابقة، وإن هو إلا أجل معدود فيحل. فحذف الياء من فعل الإتيان للدلالة على سرعة الإتيان، وليس الأمر كذلك في الآيات الأخرى.

هذا ومن ناحية أخرى أنه تردد ذكر الإتيان باشتقاقاته المختلفة في كل من (الأنعام) و (الأعراف) أربعاً وعشرين مرة وفي (هود) تردد ثلاث عشرة مرة، فلما كثر الفعل في سورتي الأنعام والأعراف كثّر البناء، ولمّا قلّ تردده في هود قلل من البناء. وهو نظير ما في (المتهد) و (المتهدي) وغيرها مما سبق ذكره.

ويمكن أن يضاف شيء آخر: وهو أنه لما منع الكلام في آية هود إلا بإذنه، حذف من الكلام فحذف الياء من (يأتي) وحذف التاء من فعل التكلم فقال: (تَكلَّمُ) ولم يقل: (تتكلم) إشعاراً بقلة الكلام في ذلك الوقت. وهكذا مما يدعو إلى العجب.

ومن بديع الذكر والحذف قوله تعالى: {ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [الأعراف: ٤٤] .

فقال في أصحاب الجنة: (ما وعدنا ربنا حقاً) وقال في الكافرين: (ما عد ربكم حقاً) ولم قل: (ما وعدكم) وذلك أن الكفارين كانوا منكرين لأصل الوعد والوعيد، وليسوا منكرين لما وعدهم به فقط، فكأنه قال: هل وجدتم وعد ربكم حقاً؟ بخلاف المؤمنين فإنهم كانوا ينتظرون ما وعدهم ربهم من الخير والكرامة فقال: (وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً) . جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: هَلاَّ قيل: ما وعدكم ربكم كما قيل: ما وعدنا ربنا؟ قلت: حذف ذلك تخفيفاً لدلالة (وعدنا) عليه. ولقائلٍ أن يقول: أطلق ليتناول كلَّ ما وعدَ اللهُ من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة، لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم، فأطلق لذلك".

ومن ذلك قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: ١٧٤-١٧٥] .

وقوله: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} [الصافات: ١٧٨-١٧٩] فذكر الضمير في (أبصرهم) الأولى وحذفه من الثانية فقال: (وأبصر) .

قالوا: وسبب ذلك أن الأولى كانت بسبب نزول العذاب بهم يوم بدر وما حلّ بهم من قتل وأسر، فَلما تضمنت المعركة ما تضمنت من قتل صناديد قريش وأسرهم وشفاء صدور المؤمنين قال: (وأبصرهم) .

وأما الثانية فكانت في يوم فتح مكة وليس فيه قتل ولا أسر وإنما هو هداية ورحمة، ثم إن فتح مكة كان فتحاً لجزيرة العرب ولذا أطلق فقال: (وأبصر) لأنه ليس مختصاً بأهل مكة كما كان في بدر. فلما كانت وقعة بدر خاصة بأهل مكة وقد حَلَّ عليهم العذاب وحدهم قال: (أبصرهم) ، ولما كان الفتح ليس فيه قتل جماعة ولا أسر وكان أثره عاماً أطلق فقال: (وأبصر) . جاء في (البرهان) في هاتين الآيتين: "ومن فوائد قوله تعالى في الأوليين: (وأبصرهم) وفي هاتين (فأبصر) أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلاً وأسراً وهزيمة ورعباً. فلما تضمنت التشفي بهم قيل له: (أبصرهم) .

وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم، فلم يكن وفقاً للتشفي بهم بل كان في استسلامهم لعينه قرة ولقلبه مَسَرَّة فقيل له: (أبصر) .

ومن بديع الذكر والحذف.

قوله تعالى: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} [الأعراف: ١٠١] .

وقوله: {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} [يونس: ٧٤] .

فحذفه (به) من آية الأعراف، بخلاف آية يونس، وذلك أن الإطلاق هو سياق الأعراف، والتخصيص هو سياق سورة يونس، فقد جاء قبل آية الأعراف قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرىءَامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بركات مِّنَ السمآء والأرض ولاكن كَذَّبُواْ فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف: ٩٦] .

في حين أن السياق في يونس سياق الذكر لا الإطلاق، فقد جاء قبل الآية المذكورة قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [يونس: ٧٣] . وهو نظير الذكر في الآية التي بعدها (بما كذبوا به) .

فانظر كيف قال في الأعراف: (ولكن كذبوا فأخذناهم) وقال: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) فلم يذكر بما كذبوا.

وانظر كيف قال في يونس: (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) ثم قال بعدها: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) فذكر بماذا كذبوا في الموطنين، فاستدعى في كل سياق ما ورد من ذِكْر وحذف.

ثم انظر السياق بعد كل من الآيتين فقد قال في سورة الأعراف: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} [الأعراف: ١٠٣] .

وقال في سورة يونس: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى وهارون إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بآياتنا} [الآية: ٧٥] . فذكر في الأعراف أنه بعث موسى. وفي يونس ذكر أنه بعث موسى وهرون فزاد ذكر (هرون) . فانظر كيف لما زاد (به) في الآية الرابعة والسبعين وزاد (بآياتنا) في الآية الثالثة والسبعين زاد (هرون) في السياق. فأية دقة هذه؟ وأي فن هذا أيها الناس؟!

جاء في (البرهان) للكرماني أنه ذكر في الأعراف: (بما كذبوا) "لأن أول القصة في هذه السورة: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرىءَامَنُواْ} [الأعراف: ٩٦] . وفي هذه الآية: {ولاكن كَذَّبُواْ} [الأعراف: ٩٦] وليس بعدها الباء فختم القصة بمثل ما بدأ به.

وكذلك في يونس وافق ما قبله وهو: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ} [يونس: ٧٣] (كذبوا بآياتنا) فختم بمثل ذلك فقال: (بما كذبوا به) .

ومن طريف الذكر والحذف في القرآن الكريم ذكر الاسم الموصول وحذفه، فقد ذكر القرآن الكريم الاسم الموصول في مواطن، وحذفه من مواطن أخرى، فقد قال مرة: {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [طه: ٦] بتكرير الاسم الموصول. وقال مرة أخرى: {لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} [البقرة: ١١٦] فلم يكرره. وقال مرى أخرى: {يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض} [العنكبوت: ٥٢] .

وقال مرة: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الحشر: ١] وقال مرة أخرى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الحديد: ١] .

وهذا يقتضينا المساءلة عن ذكر سَببِ ذِكْرِ ما ذكرَ وحذفِ ما حذف، إذ من المعلوم أنه لا بد في الكلام البليغ من سبب للذكر والحذف، وخصوصاً في القرآن الكريم الذي هو أعلى الكلام.

لقد ذكر بعضهم أنه تأمل ما في التنزيل العزيز من قوله تعالى: (من في السماوات والأرض) و: (من في السماوات ومن في الأرض) وقوله: (ما في السماوات والأرض) وقوله: (ما في السماوات وما في الأرض) فوجد "أنه حيث قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول والظرف، ألا ترى إلى المقصود في سورة يونس من نَفْيِ الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض، وإلى المقصود في آية الكرسي من إحاطة الملك.

وحيث قُصد أمر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واحدة إشارة إلى قصد الجنس وللاهتمام بما هو المقصود في تلك الآية. ألا ترى في سورة الرحمن المقصود منها عُلُوُّ قدرةِ الله تعالى وعلمه وشأنه وكونه مسؤولاً ولم يقصد السائلين".

وهذا صحيح فإنه إذا قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول وذلك نحو قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [الزمر: ٦٨] فهنا قصد التنصيص على كل فرد من أفراد السماوات والأرض على وجه التخصيص فكرر (من) لذلك، ونحوه قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: ٨٧] .

غير أن هذا واحد من الأسباب التي تدعو إلى تكرار الاسم الموصول وليس هو السبب الوحيد. وهناك أسباب أخرى للتكرار منها:

أنه إذا كان الموطن دالاً على التفصيل والإحاطة كرر الاسم الموصول، بخلاف ما إذا كان الكلام مجملاً غير مفصل، وذلك نحو قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عملوا أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: ٦-٧] .

فكرر (ما) قائلاً: (يعلم ما في السماوات وما في الأرض) وذلك لأن الموطن مواطن إحاطة وتفصيل، بخلاف قوله تعالى: {قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض والذين آمَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أولائك هُمُ الخاسرون} [العنكبوت: ٥٢] فلم يُكَرِّرْ (ما) .

وأنت تحس الفرق واضحاً بين الموطنين والسياقين، فإن في آية المجادلة من ذكر لِسَعةِ عِلْمِ الله وشموله وإحاطته بالجزئيات والتفصيلات ما ليس في آية العنكبوت، فقد ذكر في آية المجادلة أنه لا ينَدُّ عنه شيء ولا يغيب عنه مجلس قَلَّ أو كثر، ثم ينبئ الله أهله بكل ما قالوا وما تناجوا به، أحصاه الله ونسوه وهو بكل شيء عليم. فأنت ترى في آية المجادلة من التفصيل ما ليس في آية العنكبوت. فلما فصّل في آية المجادلة أعاد ذكر (ما) ولما أَجملَ في العنكبوت أجمل في ذكر الموصول فلم يُعِدْ ذكره.

ومن ذلك قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى} [طه: ٦] فكرر (ما) لأن الموطن موطن شمول وإحاطة وتفصيل، فقد ذكر أن له (ما في السماوات) ، و (ما في الأرض) و (ما بينهما) و (ما تحت الثرى) بخلاف قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَلَهُ الدين وَاصِباً أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} [النحل: ٥٢] فأنت ترى الفرق واضحاً بين السياقين في التفصيل والإحاطة، فكرر في موطن التفصيل وأجمل في موطن الإجمال.

ونحوه قوله تعالى: {الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة وَهُوَ الحكيم الخبير * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرحيم الغفور} [سبأ: ١-٢] .

فالتفصيل في هاتين الآيتين واضح، ولذا كرر الاسم الموصول بخلاف قوله تعالى: {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: ١١٦] .

ونحو ذلك قوله تعالى: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} [الرعد: ١٥] فلم يكرر الموصول في حين قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس} [الحج: ١٨] .

فكرر (من) ههنا بخلاف الآية الأولى. ومقام التفصيل واضح في آية الحج، فقد ذكر الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثيراً من الناس بخلاف آية الرعد. ففي مقام التفصيل كرر وفصّل وفي مقام الإجمال أجمل وأوجز.

وقد يكون إعادة ذكر الموصول لأمر آخر وهو ذكر أمر يتعلق بصلته، فمن الملاحظ في القرآن الكريم أنه إذا كرر الاسم الموصول فقال: (ما في السماوات وما في الأرض) فإنه يريدُ أن يَخُصَّ أهلَ الأرض بذكرِ أمرٍ من الأمور، وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يريد أن يذكرهم بأمر خاص بهم. ويتضح هذا من آيات التسبيح خاصة نحو قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [الحديد: ١] و {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الحشر: ١] .

فحيث كرر (ما) في آيات التسبيح فإنه ذكر أهل الأرض بعدها، وحيث أجمل لم يذكرهم. وإليك أمثلة على ذلك.

قال تعالى في (سورة الحديد) : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم * لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض} [الحديد: ١-٤] .

وقال في (سورة الحشر) {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم * هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر} [الحشر: ١-٢] .

فأنت ترى أنه في آيات الحديد لم يعقب التسبيح بالكلام على أهل الأرض، بخلاف آية الحشر فقد قال بعدها: {هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ} [الحشر: ٢] ويستمر في ذكر أحوالهم.

ويدلك على ذلك أنه في آخر سورة الحشر لم يكرر (ما) حين لم يذكر شيئاً عن أهل الأرض بعد الآية، فقد قال: {هُوَ الله الخالق البارىء المصور لَهُ الأسمآء الحسنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم} [الحشر: ٢٤] . فكرر في أول السورة وأجمل في آخرها لما ذكرناه والله أعلم.

ونحوه ما جاء في سورة الصف، قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم * ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: ١-٤] .

ويمضي في الكلام على أهل الأرض فكرر (ما) لأنه خَصَّ هل الأرض بعدها بالذكر، ونحوه قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم * هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ العزيز الحكيم} [الجمعة: ١-٣] . ويمضي في الكلام على أهل الأرض.

ونحوه قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن: ١-٢] . ويمضي في الكلام على أهل الأرض.

فكل موطن كرر فيه (ما) أعقبه بالكلام على أهل الأرض. في حين قال في سورة النور: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ... * يُقَلِّبُ الله الليل والنهار ... } [النور: ٤١-٤٤] .

فلم يكرر (من) إذ لم يعقب التسبيح بالكلام على أهل الأرض.

ونكتفي بهذه النماذج وإلاَّ فإن الأمر يطول ويطول. ثم نأتي إلى القسم الثاني: وهو ما ذكر في موطن ولم يذكر في موطن آخر يبدو شبيهاً به، وليس عدم ذكره من باب الحذف لنرى كيف يكون الكلام المعجز، لنرى كيف تكون الصياغة العجيبة في فن القول والتعبير. لنرى الكلام الذي قالت فيه الجن حين سمعته: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} [الجن: ١-٢] .

القسم الثاني:

وهو أن يذكر في موطن ما لا يذكره في موطن آخر يبدو شبيهاً به، وليس عدم ذكره من باب الحذف، وإنما هو قد يزيد لفظاً أو أكثر مراعاة لما يقتضيه السياق أو يستدعيه المقام.

فقد يزيد حرفاً في مكان ولا يذكره في مكان آخر حسبما يقتضيه موطن الكلام. فمن ذلك قوله تعالى:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إلاه غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيات ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: ٤٦] .

وقوله:

{قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون} [الأنعام: ٤٧] .

فأنت ترى أنه قال مرة: (أرأيتم) ومرة أخرى: (أرأيتكم) بزيادة الكاف. وهذه الزيادة إنما تكون لغرض توكيد الخطاب، وذلك كأن يكون المُخاطَبُ غافلاً أو يكون الأمر يوجب زيادة التنبيه. وإنما فرق بين الخطابين ههنا لسببين والله أعلم:

الأول: أنه قال في الآية الأولى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ} [الأنعام: ٤٦] فاحتاجوا بعد إلى زيادة في التنبيه والخطاب، وذلك أنّ فاقد السمع والبصر والمختوم على قلبه به حاجة إلى زيدة خطاب وتنبيه أكثر من السَّوِيّ فقال فيما بعد: (أرأيتكم) .

والسبب الثاني: أن الآية الثانية أشد من الآية الأولى تنكيلاً وعذاباً، فإن فيها عذاب الله الذي هو أشد من أخذ السمع والبصر، فاحتاج الموقف إلى تنبيه أكثر وزيادة حذر وحيطة فجاء بكاف الخطاب.

وقد تقول: ولِمَ قال تعالى في سورة يونس: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} [يونس: ٥٠] ولم يقل: (أرأيتكم) كما قال في الآية السابقة، أو كما قال في آية أخرى من سورة الأنعام فقد قال: {قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمُ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صادقين} [الأنعام: ٤٠] والآيات متشابهة والموقف واحد؟

والحقيقة أن الموقف مختلف والسياق غير متفق. فإنه لا ينبغي أن ينظر إلى الآيات مجردة، بل تؤخذ في مواطنها وسياقها، وهكذا ينبغي أن ينظر إلى كل نص أدبي، فإن اللغة ليست جملاً مفردة بل هي مواقف ومواطن، وقد تصلح جملة في موطن ولا تصلح في موطن آخر.

وإليك إيضاح الفرق بين الآيتين:

قال تعالى في سورة الأنعام:

{والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمُ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صادقين} [الأنعام: ٣٩-٤٠] .

فأنت ترى أنه وصف الذين كذبوا بآيات الله بالصمم والبكم وأنهم في الظلمات فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه وخطاب ليسمعوا وليَعُوا. وهذا شبيه بالموقف الذي سبق أن ذكرناه آنفاً في قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ} [الأنعام: ٤٦] بخلاف سورة يونس التي ليس فيها هذا الأمر.

جاء في (البرهان) : "وأما أرأيتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الأنعام في موضعين وغيرها وليس لها في العربية نظير، لأنه جمع فيها بين علامتي خطاب وهما التاء والكاف. والتاء اسم بخلاف الكاف، فإنها عند البصريين حرف يفيد الخطاب، ولجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيهاً (كذا) على مبناها عليه من مرتبة وهو ذكر الاستبعاد بالهلاك، وليس فيما سواها ما يدل على ذلك فاكتفى بخطاب واحد.

قال أبو جعفر بين الزبير: "الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك تأكيد باستحكام غفلته، كما تحرك النائم باليد والمفرط الغفلة باليد واللسان، ولهذا حذفت الكاف في آية يونس [٥٠] لأنه لم يتقدمها قبلها ذكر صم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب، وقد تقدم قبلها قوله: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار} [يونس: ٣١] . إلى ما بعدهن فحصل تحريكهم وتنبيههم بما لم يبق بعد إلاَّ التذكير بعذابهم" انتهى.

ومثل هذا الذكر والحذف قوله تعالى:

{ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هاأنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [آل عمر ان: ٦٥-٦٦] .

وقوله:

{وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَا أَنْتُمْ هاؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} [النساء: ١٠٧-١٠٩] .

فذكر (ها) التنبيه قبل الضمير وقبل اسم الإشارة في آية آل عمران: (ها أنتم هؤلاء) لأنه أراد أن يُقَرِّعهم ويزيد في تنبيههم ولومهم لأنهم جادلوا بالباطل وهم يعلمون، فكرر التنبيه مرة قبل الضمير ومرة قبل اسم الإشارة فقال: (ها أنتم هؤلاء حاججتم) ، وكذلك في آية النساء فقد كرر تنبيههم ولومهم ليتعظوا فلا يقفوا مثل هذا الموقف وأنت ترى أن الموقف يتطلب الزيادة في تنبيههم ووعظهم، بخلاف قوله تعالى مثلاً: (ها أنتم أولاء تحبونهم) فإن الموقف لا يحتاج إلى زيادة في التنبيه واللوم، فإنه خطاب للمؤمنين. قال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: ١١٨-١١٩] .

فأنت ترى أن الموقف مختلف عما في الآيتين السابقتين، وهو ليس موقف تقريع ولوم كما كان ثَمّ. وقد لا يحتاج الموقف إلى التنبيه فلا يذكره، وذلك نحو قوله تعالى لى لسان موسى عليه السلام مخاطباً ربه: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى * قَالَ هُمْ أولاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى} [طه: ٨٣-٨٤] .

فلم يأت بالتنبيه لأنهم غير حاضرين.

فأنت ترى أن التنبيه أتى به في المكان المناسب بالقدر الذي يحتاج إليه. فقد كرر أو لا يكرر أو لا يذكر التنبيه بحسب الحاجة إليه. ومن ذكر التنبيه وعدمه قوله تعالى:

{وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: ١٦٠] .

وقوله: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: ٢٥٥] .

فلم يجئ بـ (ها) التنبيه في الموطنين في حين قال:

{أَمَّنْ هاذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمان إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هاذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: ٢٠-٢١] .

فجاء بـ (ها) التنبيه. وسبب ذلك - والله أعلم - أن التحدي في الآيتين الأخيرتين أشد وأقوى، وهو واضح من السياق. فالآية الأولى خطاب للمؤمين. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين * إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [آل عمران: ١٥٩-١٦٠] .

وآية سورة المُلْك في الكلام على الكافرين وهو في سياق التخويف من قدرة الله وبطشه قال تعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ * ... * أَمَّنْ هاذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمان إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هاذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: ١٦-٢١] .

فالسياق والجو مختلف في الآييتين، فالأولى مقام رحمة ومسح على جراح المؤمنين ومقام عفو ومغفرة بعد معركة أُحد. وأما الثانية فمقام ترهيب وإنذار وتخويف وتحذير فجاء بـ (ها) التنبيه زيادة في التحذير والتنبيه وهو ما يقتضيه المقام.

وقد تقول: ولم قال في آية الكرسي: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ... } [القرة: ٢٥٥] من دون تنبيه في حين قال: {أَمَّنْ هاذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمان ... * أَمَّنْ هاذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ... } [الملك: ٢٠-٢١] فذكر التنبيه، والمقامان متشابهان؟

والحق أن المقامين مختلفان وليسا متشابهين، وذلك أن آيات سورة الملك في خطاب الكافرين - كما ذكرنا - وليس كذلك سياق آية الكرسي.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن مقام آية الكرسي مقام شفاعة، ومقام آية الملك مقام نصر ورزق، ومقام الشفيع يختلف عن موقف الناصر.

فقد قال في آية الكرسي: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ... } [البقرة: ٢٥٥] والشفيع طالبُ حاجةٍ مُرْتَجٍ قضاءها عالم بأن الأمر بيد مَنْ هو أعلى منه، فهو مُتلطِّفٌ بسؤاله في حين قال في سورة الملك {أَمَّنْ هاذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمان ... * أَمَّنْ هاذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: ٢٠-٢١] وهذا كما ترى موقف ندّ وليس موقف شفيع. فالناصر من دون الرحمن والرازق إن أمسك الرحمن رزقه لا يكون إلاّ ندّاً لله سبحانه، تعالى الله عن الند، ولا يمكن أن يكون هذا لغير الله. ولذا سأل رب العزة قائلاً: من هذا الناصر الرازق من دوني؟ فزاد التنبيه. هذا علاوة على ما في هذا من السخرية من إلهٍ لا يعرفُه ربُّ العالمين!!

فأنت ترى أن السياق في آية الملك يقتضي زيادة التنبيه، بخلاف آية البقرة. فما أعظم هذا الكلام وأجله!

ومن هذا الباب قوله تعالى في سورة الصافات على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين} [الصافات: ٨٥-٨٧] .

وقوله في سورة الشعراء على لسانه أيضاً: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: ٦٩-٧١] .

فقال في الآية الأولى: (ماذا تعبدون) وقال في الثانية: (ما تعبدون) .

وهناك فرق بين (ما) و (ماذا) في الاستفهام، فإن في (ماذا) قوة ومبالغة في الاستفهام ليست في (ما) ، ففي قولك: (ماذا فعلت؟) قوة ليست في (ما فعلت؟) ولعل ذلك يعود إلى زيادة حروفها، ويدل على ذلك الاستعمال القرآني ومن ذلك ما جاء في الآيتين اللتين ذكرناهما. فإنه إنما جاء في الآية الأولى بـ (ماذا) وفي الثانية بـ (ما) لأن الأولى في موقف تحدٍّ ظاهر ومجابهة قوية، بخلاف الثانية، يدلك على ذلك السياق.

فإن المقام في الأولى ليس مقام استفهام وإنما هو مقام تقريع، ولذلك لم يجيبوه عن سؤاله بل مضى يقرعهم بقوله: {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ} [لصافات: ٨٦] .

وأما في الثانية فهو في مقام استفهام المحاجَّة إذ قال لهم: ما تبعدون؟

فأجابوه: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين.

فسألهم: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: ٧٢-٧٣] .

فأجابوه قائلين: {قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: ٧٤] .

فأنت ترى أن المقام محاجّة بخلاف الآية الأولى فإنه مقام تحدٍّ وتقريع ومجابهة.

ويوضح ذلك نهاية القصتين.

ففي آية الشعراء قال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقدمون * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين} [الشعرء: ٧٥-٧٧ - وما بعدها] .

وأما في آية الصافات فانتهى السياق بتحطيم الأصنام وتحريقه بالنار.

{فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين * ... . * قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم ... وما بعدها} [الصافات: ٩١-٩٧] .

فثمة فرق كبير بين النهايتين وبين السياقين. فجاء في مقام المجابهة وشدة التحدي بـ (ماذا) دون المقام الآخر الذي جاء فيه بـ (ما) .

جاء في (درة التنزيل) في هاتين الآيتين: "للسائل أن يسأل عن زيادة (ذا) في قوله في الصافات (ماذا تعبدون) وإخلاء (ما) في الشعراء منها.

والجواب أن يقال: إنَّ قوله (ما تعبدون) معناه: أي شيء تعبدون؟

وقوله: (ماذا تعبدون) في كلام العرب على وجهين:

أحدها: أن تكون (ما) وحدها اسماً و (ذا) بمعنى الذي، والمعنى: ما الذي تعبدون. و (تعبدون) صلة لها.

والآخر أن تكون (ما) مع (ذا) اسماً واحداً بمعنى: أي شيء. وهو في الحالتين أبلغ من (ما) وحدها إذا قيل: ما تفعل؟ و (ما تعبدون) في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم، لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم، فأجابوه وقالوا: {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: ٧١] فنبه ثانياً بقوله: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء: ٧٢] .

وأما (ماذا تعبدون) ؟ في سورة الصافات فإنها تقريع، وهو حال بعد التنبيه. ولعلمهم بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لم يجيبوا كإجابتهم في الأول. ثم أضاف تبكيتاً إلى تكبيت ولم يستدع منه جواباً فقال: {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين} [الصافات: ٨٦-٨٧] .

فلما قصد في الأول التنبيه كانت (ما) كافية. ولما بالغ وقرّع واستعمل اللفظ الأبلغ وهو (ماذا) التي إن جعلت (ذا) منها بمعنى (الذي) فهو أبلغ من (ما) وحدها. وإن جُعلا اسماً كانت أيضاً أبلغ وأوكد مما إذا خلت من (ذا) .

ومن ذلك قوله تعالى:

{يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار يَقُولُونَ ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا * وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: ٦٦-٦٧] .

فَمدَّ (السبيل) في حين قال في الأية الرابعة من السورة نفسها: {والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل} [الأحزاب: ٤] لم يمدّه.

وذلك أن الأولى في كلام أهل النار وهم يصطرخون فيها ويمدون أصواتهم بالبكاء، فجاء بالمدّ، وهو المناسب لمدِّ الصوتِ بالبكاء ورفعه، بخلاف الآية الثانية.

ومن هذا الباب قوله تعالى:

{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هاذا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: ٧٧] .

وقوله:

{وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين} [العنكبوت: ٣٣] .

فقد زاد (أن) بعد (لمّا) في سورة العنكبوت بخلاف سورة هود والقصة واحدة، وذلك أن سياق القصة في العنكبوت يقتضي هذه الزيادة من عدة أوجه، بخلاف سياقها في هود. فإنه أفاض في ذكر القصة في سورة العنكبوت أكثر مما هو في هود، فقد ذكر فيها من صفات قوم لوط السيئة ما لم يذكره في هود فقد قال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر} [العنكبوت: ٢٨-٢٩] .

ولم يزد في هود على أن قال: {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات} [هود: ٧٨] . ففصّل في عمل السيئات ما لم يفصله في هود.

فلما كان المقام مقام إطالة وتفصيل في سورة العنكبوت ذكر (أنْ) لمناسبة سياق الإطالة والتفصيل بخلاف سورة هود.

ومن ناحية أخرى أنَّ بَرمَ لوط بقومهِ وضِيقه بهم في سورة العنكبوت كان أظهرَ وأشد مما في سورة هود. كما يبدو أن ترقب لوط للخلاص من قومه في سياق العنكبوت كان أظهر مما في هود. يدل على ذلك عدة مواضع في القصة:

منها قوله في سورة العنكبوت: {وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين} [العنكبوت: ٣٣] .

في حين قال في هود: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هاذا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: ٧٧] .

فزاد في آية العنكبوت قوله: {وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ ... } [العنكبوت: ٣٣] .

ومنها دعاؤه ربه أن ينصره على قومه بعدما كذبوه وتَعجَّلُوا العذابَ قائلين: {ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [العنكبوت: ٢٩] فقال: {قَالَ رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين} [العنكبوت: ٣٠] وليس الأمر كذلك في هود، فإنهم لم يصرحوا بتكذيبه ولم يَدْعُ لنفسه بالنصر. ومنها التصريح بلفظ التنجية ومجيء الفرج في سورة العنكبوت مرتين، مرة مع سيدنا إبراهيم إذ قال ملائكة الله له في لوط: {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين} [العنكبوت: ٣٢] . ومرة مع لوط نفسه، إذ قالوا له: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك} [العنكبوت: ٣٣] ولم يرد في مثل ذلك في هود.

ولذا حَسُنَ ذِكْرُ (أنْ) في العنكبوت دون هود مراعاة للتبسُّطِ في ذكر القصة والإفاضة فيها، وللدلالة على استطالة الوقت وطول الترقب والانتظار، وهو تعبير في غاية الجمال.

وشبيه بهذه الزيادة للانتظار قوله تعالى في سورة يوسف: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً} [يوسف: ٩٦] .

فزاد (أن) بعد (لم) وذلك لمناسبة حالة الانتظار والترقب التي كان يمر بها نبي الله يعقوب، فقد كان شديد اللهفة على رؤية ولده. ومن المعلوم أن الشخص في مثل هذه لحال يستطيل كل لحظة تمر به، ففصل بين (لما) ومجيء البشير وباعد بينهما إشارة إلى الشعور باستطالة الوقت وطول الانتظار. ولا يؤدي اتصال (لما) بالشرط ما يؤديه هذا الفصل الجميل.

جاء في (معترك الأقران) : "فإن قلت: إن قوله تعالى: (فلما أن جاء البشير) لم يقع في تكرار فَلِمَ زِيدَ (أن) ولم يأت على لأصل؟

قلت: لما كان مجيء البشير إلى يعقوب عليه السلام بعد طول الزمن وتباعد المدة، ناسب ذلك زيادة (أن) لما في مقتضى وضعها من التراخي".

وذكر مصطفى صادق الرافعي أن المراد بذلك: "تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف، وبين مجيئه لِبُعْدِ ما كان بين يوسف وأبيه عليهما السلام، وأن ذلك كأنه كان منتظراً بقلق واضطراب، تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره عُنَّةُ هذه النون في الكلمة الفاصلة وهي: (أن) في قوله: أن جاء".

ونحو ذلك قوله تعالى في موسى عليه السلام: {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس ... } [القصص: ١٩] فزاد (أن) بعد (لما) وذلك أن موسى لم يكن مندفعاً للبطش بالقبطي في هذه المرة فزاد (أن) للدلالة على التَّريُّثِ والتمهل، وفصل بين (لما) والفعل للدلالة على الفاصل في الزمن وعدم الاندفاع، بخلاف المرة الأولى التي اندفع فيها فجأة لنصرة صاحبه، ألا ترى كيف قال في المرة الأولى: {فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ ... } [القصص: ١٥] فجاء بالفاء الدالّة على التعقيب وعدم المهلة بين الاستغاثة والطعنة (فاستغانه، فوكزه، فقضى عليه) .

ومما يدلك على تمهله وعدم اندفاعه في المرة الثانية تعنيفه لصحابه قائلاً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: ١٨] حتى ظن صاحبه أنه ينوي البطش به بدلاً من عدوه فقال له: {ياموسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس} [القصص: ١٩] .

فزاد (أن) للدلالة على ذلك.

وهذا نظير ما قبله كما هو واضح.

وقد يزيد كلمة أو أكثر في موضع، ولا يذكرها في موضع آخر، كل ذلك حسبما يقتضيه المعنى والسياق.

فمن ذلك قوله تعالى:

{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: ٢٢] .

وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: ٣٢] .

فقد زاد قوله: (ومقتاً) في آية النساء وذلك أن "متزوج امراة أبيه فاعل رذيلة يمقت فاعلها ويشنأ وتَستخسُّه الطِّباعُ السليمة، فوصفت فِعْلَتهُ بالمقت، وساوت الزنى فيما وراء ذلك".

ومن ذلك قوله تعالى:

{وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [التغابن: ٩] .

وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [الطلاق: ١١] .

فقد زاد في التغابن قوله: (ويكفر عنه سيئاته) دون الطلاق وذلك أن آية التغابن خطاب للكفارين وقد دعاه إلى الإيمان فقال: {زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والنور الذي أَنزَلْنَا والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن ٧-٨] .

ثم قال: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} [التغابن: ٩] .

وأما آية الطلاق فهي خطاب للمؤمنين وقد دعاهم إلى التقوى فقال: {فاتقوا الله ياأولي الألباب الذين آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً} [الطلاق: ١٠] .

ثم قال: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ ... } [الطلاق: ١١] .

فكن ذكر تكفير السيئات مع الكافرين الذين هم في معصية مستديمة وسيئاتهم غير منقطعة أولى من ذكرها مع المؤمنين.

ومن ذلك قوله تعالى:

{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِءَايَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: ٧] .

وقوله: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: ٧-٨] .

فقد زاد في آية لقمان قوله: (كأنّ في أذنيه وقراً) دون آية الجاثية، وذلك "أن آية الجاثية لَمَّا تقدم فيه قولُه: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ} [الجاثية: ٧-٨] فَوصْفُه بسماعٍ آياتِ لله لم يكن ليطابقه ذِكْرُ الوقر في الأذن لأنه قد ذكر سماعه الآيات. والوقر مانع من السماع فلم يناسب الإعلام بالسماع ذكر الوقر المانع منه..

ولما يقع ذكر سماع الآيات في آية لقمان وتقدم ذكر المشار إليه بقوله: {وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً} [لقمان ٦] وهذه زيادةُ مرتكبٍ فناسبها ذكر زيادة الوقر، مع أنه لم يرد فيها ذكر سماعه الآيات كما ورد في آية الجاثية. فازداد ووضح التلاؤم".

ومن ذلك قوله تعالى:

{وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} [المائدة: ٩٢] .

وقوله: {وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين} [التغابن: ١٢] .

فزاد في الآية الأولى قوله: (واحذروا) وقوله: (فاعلموا) مع اتحاد ما تضمنته الآيتان فيما سوى ذلك.

وسبب ذلك والله أعلم أن آية المائدة سبقها الأمر باجتناب الخمر وما ذكر معها من المحرمات وما تجرّه عليهم هذه المحرمات من شرور فقال: {ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: ٩٠-٩١] .

فناسب ذلك ذكر هذه الزيادة لتأكيد التحذير.

"وأما آية التغابن فلم يرد قبلها ما يستدعى هذا التأكيد، ألا ترى الوارد فيها من قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: ١١] فلما لم يَرِدْ هنا نَهيٌ عن محرّم متأكّد التحريم ... لم يرد هنا من الزيادة المحرزة لمعنى التأكيد ما ورد هناك. فجاء كل على ما يجب ويناسب. وليس عكس الوارد بمناسب".

وقد يزيد الجار والمجرور في موضع ولا يذكر نحوه في موضع آخر، فمن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى:

{فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: ١١] .

وقوله: {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً} [لمائدة: ١٧] .

فزاد (لكم) في آية الفتح ولم يذكر مثل ذلك في المائدة. والسبب أن الخطاب في سورة الفتح مختص بالمخلّفين من الأعراب قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فاستغفر لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} [الفتح: ١١] .

فلما كان الخطاب مختصاً بهؤلاء زاد (لكم) لأن الخطاب موجه إليهم.

أما في سورة المائدة فالخطاب عام، وليس خاصاً بجماعة معينين قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً} [المائدة: ١٧] .

ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن في الأرض جميعاً) كيف عَمَّ أهل الأرض فلم يحسن أن يذكر (لكم) بل جاء الخطاب عاماً.

جاء في (درة التنزيل) عن سبب ذلك (لكم) في (الفتح) وعدم ذكرها في (المائدة) وقوله: إن آية سورة الفتح "نزلت في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير عذر وتأخروا عن الجهاد وقالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا، ثم سألوه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، يكتمون بذلك نفاقهم ويظهرون وفاقهم وقصدهم استمالته كيلا تضرهم عداوته فقال عز وجل:

{فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} [الفتح: ١١] فلما كان في قوم مخصوصين احتيج إلى (لكم) للتبيين.

فأما في هذه السورة [يعني سورة المائدة] فإنها لم تنزل لفريق مخصوص دون فريق بل عَمَّ بها. دليه إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومَنْ في الأرض جميعاً. فلما سيقت الآية إلى العموم لم يَحتج إلى (لكم) التي للخصوص".

ومن ذلك قوله تعالى:

{وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [العنكبوت: ٢٢] .

وقوله: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: ٣١] .

زاد في آية (العنكبوت) : (ولا في السماء) وذلك أن الكلام فيها في سياق تكذيب الأمم لرسلها بدءاً من نوح إلى إبراهيم إلى لوط إلى شعيب وغيرهم، وما حاق بهذه الأمم من العذاب والعقوبات، بخلاف آية الشورى فإنها وردت في سياق ما يصيب الإنسان من مصائب قال تعالى: {وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ * وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: ٣٠-٣١] .

فلمّا كان الكلام في العنكبوت في سياق تكذيب الأنبياء ومحاربة الرسل ومعاقبة الله لهؤلاء الأقوام، كان من المناسب أن يزيد لهم في القول ويبسط لهم في التحدي ويخبرهم أنهم ضعفاء حتى لو بلغوا السماء وصعدوا فيها.

ومن ذلك قوله تعالى:

{فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ... } [المائدة: ٦] .

وقوله: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء: ٤٣] .

فزاد (منه) في آية المائدة، وذلك أن آية المادئة فيها تفصيل وتبيين لأحكام الوضوء كاملة، بخلاف آية النساء فإنها لم تذكر أحكام الوضوء تفصيلاً. فلما فصّل وبيّن في آية المائدة وزاد في ذِكْر الأحكام زاد الجار والمجرور (منه) للزيادة في التبيين. قال تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولاكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: ٦] .

وقال في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط أَوْ لامستم النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء: ٤٣] .

فأنت ترى أنه حيث كان السياق مجملاً أجمل في الذكر، وحيث كان مفصّلاً مبيناً زاد وبيّن، فوضع كل تعبير في الموضع الذي هو أوفق له.

جاء في (البرهان) للكرماني: أنه اد في آية المائدة (منه) "لأن المذكور في هذه السورة (يعني النساء) بعض أحكام الوضوء والتيمم فحسن الحذف. والمذكور في المائدة جميع أحكامها فحسن الإثبات والبيان".

ومثل هذه الزيادة للتفصيل ما جاء في قوله تعالى:

{مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} [الحديد: ٢٢] .

وقوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: ١١] .

فقد زاد قوله: (في الأرض ولا في أنفسكم) على ما في التغابن، وذلك لأنه فصل في سورة الحديد في أحوال الدنيا والآخرة ما لم يُفصِّله في التغابن، فكان المناسب أن يفصل ويزيد موافقة لما قبله. جاء في سورة الحديد قوله: {اعلموا أَنَّمَا الحياوة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فتراه مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حطاما وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله ورضوان وَمَا الحياوة الدنيآ إِلاَّ متاع الغرور * سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ ... * مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ ... } [الحديد: ٢٠-٢٢] .

ولم يرد مثل ذلك في سورة التغابن قال تعالى: {والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنآ أولائك أصحاب النار خالدين فِيهَا وَبِئْسَ المصير * مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [التغابن: ١٠-١١] .

فأنت ترى أنه فصّل وذكر في سورة الحديد ما لم يذكره في التغابن، ولذا زاد في التفصيل في الآية المذكرة موافقة لما قبلها. جاء في (البرهان) للكرماني أنه فصل في سورة الحديد وأجمل في سورة التغابن "موافقة لما قبلها في هذه السورة [يعني الحديد] فإنه فصل أحوال الدنيا والآخرة فيها بقوله: {اعلموا أَنَّمَا الحياوة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد} [الحديد: ٢٠] .

وقد يكون الذكر والحذف مراعاة لواقع الحال، فيكون الكلام في غاية الدقة في التعبير عن الحقيقة. فمن ذلك قوله تعالى:

{وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ موسى ... } [الحج: ٤٢-٤٤] .

فإنه قال: (وكُذِّبَ موسى) ولم يقل: (قوم موسى) كما قال في الأقوال الأخرى، وذلك لأن قوم موسى لم يكذبوه وإنما الذي كذبه فرعون وقومه. جاء في (الكشاف) : "فإن قلت: لِمَ قيل: (وكُذِّب موسى) ولم يقل: قوم موسى؟

قلت: لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط".

ومن ذلك قوله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ ... } [الصف: ٦] .

وقوله: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ ... } [الصف: ٥] .

فإنه لم يقل في عيسى: (وإذ قال عيسى لقومه) كما قال في موسى: (وإذ قال موسى لقومه) بل قال: (يا بني إسرائيل) وذلك أن عيسى عليه السلام لم يكن له نَسبٌ فيهم فيكونوا قومه إذ لم يكن له فيهم أَبٌ بخلاف موسى.

ومن ذلك قوله تعالى:

{كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ المرسلين * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: ١٧٦-١٧٧] .

ولم يقل: (أخوهم شعيب) كما قال فيمن قبله من الأنبياء: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} [الأنبياء: ١٠٦] [الشعراء] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} [الشعراء: ١٢٤] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: ١٤٢] وغير أولئك من الرسل، إلا شعيباً فإنه لم يقل فيه: (أخوهم) وذلك أن شعيباً ليس من أصحاب الأيكة وإنما هو أخو مدين، ولذا قال تعال: {وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف: ٨٥] بخلاف أصحاب الأيكة. فهو قد أُرسلَ إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة.

جاء في (الكشاف) : "فإن قلت: هلا قيل: (أخوهم شعيب) كما في سائر المواضع؟

قلت: إِنَّ شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة. وفي الحديث: "إن شعيباً أخا مدين أُرسل إيهم وإلى أصحاب الأيكة"

ومن ذلك ما رود في قصة نوح وهو قوله تعالى: {قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: ٦٠] .

وفي قصة هود قوله: {قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين} [الأعراف: ٦٦] .

فقد زاد (الذين كفروا) على ملأ قوم هود دون ملأ قوم نوح. قيل: لأنه كان في أشراف قوم هود مَنْ آمنَ به، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، فأخرج المؤمنين من أشراف قوم هود، لأن القائلين هم الذين كفروا منهم. جاء في (الكشاف) : "فإن قلت: لِمَ وصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به منهم: مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه، فأُريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن.

ونحوه قوله تعالى: {وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة} [المؤمنون: ٣٣] ويجوز أن يكون وصفاً وارداً للذم لا غيره".

وقد يكون الذكر والحذف لغير ذلك، فهناك أسباب مختلفة تدعو إلى الذكر والحذف، وكلها ترجع إلى مراعاة المقام وحسن الاختيار وذكر اللفظة في الوضع الذي يقتضيها وينادى عليها بأبلغ تعبير وأجمل صورة.

فمن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين} [الشعرء: ١٠٩] على لسان جميع الأنبياء الذين جرى ذكرهم في سورة الشعراء، فنزح قال لقومه: {وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين} [الشعراء: ١٠٩] . وكذا قال هود لقومه (الشعرء: ١٢٧) ، وكذا قال صالح لقومه (الشعراء ١٦٤) وكذا قال شعيب (الشعراء: ١٨٠) إلا إبراهيم وموسى فإنهما لم يقولا ذاك.

أما إبراهيم فلأن أباه كان من المخاطبين، قال تعالى: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء: ٦٩-٧٠] فاستحيا أن يخاطب أباه بذاك.

وأما موسى فلأن فرعون رَبَّاه وقد ذكر ذلك له فقال تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: ١٨] فلا يليق أن يقول له: (وما أسألك عليه من أجر) . ألا ترى أنه لا يليق أن يقول شخص لأبيه أو لمن رباه وأنفق عليه: (لا أسألك أجراً) فانظر إلى جمال الذوق وحسن الاختيار في التعبير. جاء في (البرهان) للكرماني أنه ليس في قصة موسى عليه السلام ذلك "لأنه رباه فرعون حيث قال: ألم نُرَبِّكَ فيها وليداً؟

ولا في قصة إبراهيم لأن أباه في المخاطبين حيث يقول: (إذ قال لأبيه وقومه) وهو رباه.

واستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا: (ما أسألكم عليه من أجر) وإن كان مُنَزَّهين من طلب الأجرة".

ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين} [المائدة: ٢٠] .

وقوله: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} [إبراهيم: ٦] .

فزاد في آية المائدة: (يا قوم) ولم يذكر ذلك في آية إبراهيم وذلك أنه في آية المائدة عَدَّد عليهم النِّعَمَ الجِسام في أنْ جعل منهم أنبياء وجعل منهم ملوكاً، وأنه آتاهم ما لم يُؤْتِ أحداً من العالمين، فحسن نداؤهم بـ (يا قوم) وذلك أن الإنسان يحب أن ينتسب إلى قوم ذوي رفعة ومكانة عالية، بخلاف المستذلين والمستعبدين وهو سياق الآية الثانية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم فقال: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: ٢١] .

فناداهم بـ (يا قوم) عطفاً لقلوبهم لتحميلهم مهمة دخول الأرض المقدسة وتكليفهم بهذا الأمر الشاق.

أما آية إبراهيم فليس فيها طلب شيء ولا تكليفٌ بأمر، وإنما فيها تذكيرهم بما مر عليهم من محن وعذاب. وفرقٌ بين الحالتين.

ومن جهة أخرى أن سياق قصة موسى في سورة المائدة أطول مما في سورة إبراهيم، فزاد (يا قوم) لمناسبة طول القصة في سورة المائدة. وهذا خط واضح في التعبير القرآني فاقتضى كل ذلك هذه الزيادة في سورة المائدة دون سورة إبراهيم والله أعلم.

جاء في (البرهان) للكرماني أن "تصريح اسم المخاطب مع حرف الخطاب يدل على تعظيم المُخاطَبِ به. ولما كان ما في هذه السورة نِعَماً جِساماً ما عليها من مزيد وهو قوله: {جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين} [المائدة: ٢٠] صرح فقال: (يا قوم) . لموافقة ما قبله لما بعده من النداء وهو قوله: (يا قوم ادخلوا) (يا موسى إن فيها) (يا موسى إنّا) ولم يكن ما في إبراهيم بهذه المنزلة فاقتصر على حرف الخطاب".

ومن لطيف الذكر والحذف قوله تعالى:

{وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: ٩٤] .

فزاد في الآية الثانية قوله: (والمؤمنون) بخلاف الآية الأولى وذلك أن الآية الأولى في المنافقين، وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان ولا يعلم المؤمنون بهم إلا مَنْ أطلعه رسولُ الله عليه، فلم يقل: (والمؤمنون) لأن المؤمنين لا يرون أعمالهم بخلاف الآية الثانية فإنها في طاعات المؤمنين وهي ظاهرة للجميع ففرق بين الجماعتين.

قال تعالى في الطائفة الأولى وهم المنافقون: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: ٩٤] .

وقال في الجماعة المؤمنة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم * وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون} [التوبة: ١٠٣-١٠٥] .

جاء في (البرهان) للكرماني في هاتين الآيتين أن "الآية الأولى في المنافقين ولا يطّلع على ما في ضمائرهم إلا الله تعالى، ثم رسوله بإطلاع الله إياه عليها لقوله: {قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: ٩٤] .

والثانية في المؤمنين، وطاعات المؤمنين وعاداتهم ظاهرة لله ولرسوله وللمؤمنين. وختم آية المنافقين بقوله: (ثم تُردون) فقطعه عن الأول لأنه وعيد.

وختم آية المؤمنين بقوله: (وسَتُردُّون) لأنه وعد فبناه على قوله: (فسيرى الله) .

وجاء في (درة التنزيل) أن الآية الثانية: "فيمن أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو الذي أوجب عليهم الصدقات بأن يقول لهم: اعملوا ما أمركم الله به من الطاعات كالصلوات والصدقات فإن الله ورسوله والمؤمنين يرون ذلك، وهذه الأعمال مما تُرى بالعين خِلافَ أعمال المنافقين التي تقتضي لهم النفاق لإضمارهم خلاف إظهارهم وهو مما لا يرى بالعين وإنما يعلمه عالم الغيب، فلذلك يُذكر المؤمنون في الأولى وذُكروا في الثانية".

ومن ذلك قوله تعالى:

{ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٢٠-١٢١] .

فقد قال في الآية الأولى: {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: ١٢٠] وقال في الثانية: {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: ١٢١] ، وذلك أن الآية الأولى فيها ما ليس عملاً لهم كالظمأ والنصب والمخمصة فهذه ليست من أعمالهم غير أنه تكتب لهم أعمالاً صالحة.

أما الآية الثانية فما جاء فيها كله من أعمالهم فالنفقات وقطع الوديان هي أعمالٌ لهم ولذا لم يكن ثَمَّةَ داعٍ إلى القول: (كتب لهم به عمل صالح) لأنه عمل حقيقة.

ثم انظر إلى خاتمة كل من الآيتين. فقد قال في ختام الآية الأولى: {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [التوبة: ١٢٠] لأن ما تقدم ليس عملاً وإنما هو من الإحسان الذي تدخل فيه عموم العبادات.

وقال في ختام الآية الثانية: {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٢١] لأنه من أعمالهم.

جاء في (البرهان) للكرماني أن "الآية الأولى مشتملة على ما هو من عملهم وهو قوله: {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} [التوبة: ١٢٠] وعلى ما ليس من عملهم وهو الظمأ والنصب والمخمصة.

والله سبحانه وتعالى بفضله أجرى ذلك مجرى عملهم في الثواب فقال: {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: ١٢٠] أي جزاء عملٍ صالح.

والآية الثانية مشتملة على ماهو من عملهم وهو إنفاق المال في طاعة الله وتحمل المشاق فكتب لهم ذلك بعينه. وكذلك ختم الآية بقوله: {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٢١] لأن الكل من عملهم فوعدهم أحسن الجزاء عليه.

وختم الآية الأولى بقوله: {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [التوبة: ١٢٠] حين ألحق ما ليس من عملهم بما هو من عملهم. ثم جازاهم على الكل أحسن الجزاء".

وجاء في (درة التنزيل) : "فلما كان ما في الثانية عملهم كُتب على جهته لم يحتج إلى أن يكتب به عمل صالح لأنه هو. والأول كان فيه ما ليس بعملهم فكتب به أجر مثل عملهم فلذلك كانت الزيادة في الأولى ولم يحتج إليها في الأخرى.

والجواب عن المسألة الثانية وهي تعقيب الأولى بقوله: {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [التوبة: ١٢٠] هو أن من أخبر عنه بأنه أصابه ظمأ ونصب وجوع فقد أخبر عنه بفعل غيره به ولم يخبر عنه بفعل فعله هو. إلا أنه يَجبُ له بم اوصل إليه من ألم العطش والجوع والتعب والنصب الأجرُ، فلذلك عقبه بقوله: {إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} [التوبة: ١٢٠] أي: من أحسن طاعة الله وتعرض منها لما يلحقه فيه من هذه الشدائد.

وأما الآية الثانية وتعقيبها بقوله: {لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٢١] فلأن جميع ما ذكر كان عملاً لهم فوعدهم حسن الجزاء على عملهم. وذلك ظاهر والله أعلم".

ومن لطيف الذكر الذي يقتضيه المعنى قوله تعالى:

{وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ... } [البقرة: ٢٨٣] .

ولم كتف بقوله: (إنه آثم) بل إسند الإثم إلى القلب وذلك لأنَّ الشهادة محلها القلب وكتمانها هو أن يبقيها في قلبه فنسب الإثم إلى القلب وهو تعبير بديع.

جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (آثم) وما فائدة ذكر القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟

قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترناً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يُعمَلُ بها أبلغ. ألا تراك تقول إذا أردتَ التوكيد: هذا مما أَبصرتهُ عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل: فقد تَمكَّنَ الإثمُ في أصل نفسه ومَلَكَ أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط".

ومن الذكر الذي يقتضيه المعنى أيضاً قوله تعالى:

{ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠] .

وقوله:

{ولاكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: ١١٧] .

فزاد في الآيتين الأوليين: (كانوا) بخلاف آل عمران وذلك أن آيتي البقرة والأعراف في أقوام قد مضوا وهم بنو إسرائيل، قال تعالى في البقرة: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: ٥٧] .

وقال في الأعراف: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا ولاكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: ١٦٠] .

وأما آية آل عمران فهي ليست في أقوام ماضين وإنما مثل ضربه الله لكل عصر قال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هاذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولاكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: ١١٧] .

فناسب ذكر (كان) في آيتي البقرة والأعراف دون آية آل عمران. جاء في (البرهان) للكرماني أن ما في السورتين يعني البقرة والأعراف "إخبارٌ عن قوم ماتوا وانقرضوا وما في آل عمران مَثَل".

ومن الزيادة التي اقتضاها السياق قوله تعالى:

{وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا ... } [القصص: ٦٠] .

فقد ذكر الزينة بخلاف قوله تعالى:

{فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا ... } [الشورى: ٣٦] .

وقد ورد ذكر الزينة في القصص لورودها فيما بعد في قوله تعالى: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ... } [القصص: ٧٩] بخلاف سورة الشورى فإنها لم يرد فيها مثل ذاك.

جاء في (معترك الأقران) : "فإنْ قلت: ما وجه زيادة (الزينة) في هذه الآية على آية الشورى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا} [القصص: ٦٠] ؟

والجواب لورود ذكرها في قوله تعالى: {فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: ٧٩] فالتحمت الآية بتلك القصة. ولم يرد في سورة الشورى من أولها إلى آخرها حال دنيوي لأحد بل تضمنت حقارة الدنيا ونزارة رزقها وأنه مقدور غير مبسوط. وتلك حال الأكثر".

ومن الزيادة التي اقتضاها السياق قوله تعالى:

{إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أولائك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: ١٧٤] .

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أولائك لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخرة وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: ٧٧] .

فقد زاد في آل عمران: (ولا ينظر إليهم) بخلاف البقرة وذلك لسبيين:

الأول: أن آية البقرة في الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون بكتمانهم هذا ثمناً قليلاً. وأما آية آل عمران فليست في الذين يكتمون بل في الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً وهو ذنب أكبر وأعظم من مجرد الكتمان. إذ هم لم يكتموا الحق فقط بل غيروه وأقسموا على ذلك واشتروا به ثمناً قليلاً. فهم لم يكتفوا بالكتمان بل تجاوزوه في دعم الباطل، فلما زادوا في الذنب زاد الله لهم في العقوبة فقال: (ولا ينظر إليهم) .

والسبب الثاني: أن السياق في آل عمران في الوفاء بعهد الله فقد قال قبل هذه الآية:

{بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: ٧٦] . وليس الأمر كذلك في البقرة فقد سبق هذه الآية الكلام على الميتة والدم ونحوها قال: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير} [البقرة: ١٧٣] .

فلما كان المقام في آل عمران هو الكلام على عهد الله ناسب تشديد العقوبة على مضيعيه أكثر مما في البقرة لأن السياق يقتضيه.

فما أجلّ هذا الكلام وأعظمه!

ونكتفي بهذا القدر فإن فيه الكفاية وإلا فالاستقصاء بعيد المنال.

<<  <   >  >>