للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[التقديم والتأخير]

يمكننا تقسيم أحوال التقديم والتأخير إلى قسمين:

الأول: تقديم اللفظ على عامله نحو: (خالداً أعطيتُ) و: (بمحمدٍ اقتديتُ) .

الثاني: تقديم الألفاظ بعضها على بعض في غير الامل وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} [البقرة: ١٧٣] ، وقوله: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [المائدة: ٣] ومثل: (أَعرتُ خالداً كتابي) و: (أعرت كتابي خالداً) .

١- تقديم اللفظ على عامله:

ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله، وتقديم الحال على فعله، وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما، وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الاختصاص فقولك: (أنجدت خالداً) يفيد أنك أنجدت خالداً ولا يفيد أنك خَصَصتَ خالداً بالنجدة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحداً معه. فإذا قلت: (خالداً أنجدت) أفاد ذلك أنك خصصت خالداً بالنجدة وأنك لم تنجد أحداً آخر.

ومثل هذا التقديم في القرآن كثير.

فمن ذلك قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ٥-٦] فقد قام المفعول به (إياك) على فعل العبادة وعلى فعل الاستعانة دون فعل الهداية فلم يقل: (إيانا اهد) كما قال في الأولين؛ وسبب ذلك أن العبادة والاستعانة مختصتان بالله تعالى، فلا يُعبَدُ أحدٌ غيره ولا يستعان به. وهذا نظير قوله تعالى: {بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين} [الزمر: ٦٦] وقوله: {واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: ١٧٢] فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى.

ومثل التقديم على فعل الاستعانة قوله تعالى: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} [إبراهيم: ١٢] ، وقوله: {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: ٨٩] ، وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨] فقدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص وذلك لأن التوكل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده.

ولم يقدم مفعول الهداية على فعله فلم يقل: (إيانا اهد) كما قال: (إياك نعبد) وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الاختصاص إذ لا يصح أن تقول: اللهم اهدني وحدي ولا تَهْدِ أحداً غيري أو خصّني بالهداية من دون الناس. وهو كما تقول: اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك ولم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحداً غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه.

ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الرحمان آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: ٢٩] فقدم الفعل (آمنا) على الجار والمجرور (به) وأخر (توكلنا) عن الجار والمجرور (عليه) وذلك أن "الإيمان لما لم يكن منحصراً في الإيمان بالله، بل لا بد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل فإنه لا يكون إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين، قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لأن غيره لا يملك ضراً ولا نفعاً فيتوكل عليه".

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور} [الشورى: ٥٣] "لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور دون غيره. ونحو قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: ٢٥-٢٦] . فإن الإياب لا يكون إلا إلى الله، وهو نظير قوله تعالى: {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: ٣٦] وقوله: {إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق} [القيامة: ٣٠] فالمساق إلى الله وحده لا إلى ذات أخرى، وهذا ليس من التقديم من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي كما ذهب بعضهم بل هو لقصد الاختصاص نظير قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [يونس: ٤] ، وقوله: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ} [هود: ١٢٣] ، وقوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: ٩٣] وغير ذلك من الآيات.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة} [فصلت: ٤٧] فعلم الساعة مختص بالله وحده لا يعلمه أحد غيره ونحوه قوله تعالى: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة} [لقمان: ٣٤] فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الآية السابقة.

ونحوه قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: ٥٩] فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغَيْب) وذلك لاختصاصه سبحانه يعلم الغَيْب. ألا ترى كيف أكد ذلك الاختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القَصْر فقال: (لا يعلمها إلاّ هو) ؟

وقد يكون التقديم من هذا النوع لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أن يفيد الاختصاص. ومن التقديم الذي لا يفيد الاختصاص قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ} [الأنعام: ٨٤] فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحاً وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله تعالى: {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: ٩-١٠] إذ ليس المقصود به جوازُ قهرٍ غير اليتيم ونهر غير السائل، وإنما هو باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنّة القهر، فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما.

٢- تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل.

إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قَدَّمتَهُ في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث إنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإننا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء، ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس، ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر، كل ذلك بحسب ما يقتضيه فن القول وسياق التعبير.

فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة هنا للعناية بها والاهتمام دون تبيين موطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.

فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدم الله السماء على الأرض هنا؟

قلت: لأن الاهتمام بالسماء هنا أكبر.

ثم إذا قيل لك: ولماذا قدم الله الأرض على السماء في هذه الآية؟

قلت: لأن الاهتمام بالأرض هنا أكبر.

فإذا قيل لك: ولماذا كان الاهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض أكبر؟

وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الاختلاف بين الموطنين، بحيث تُبين أنه لا يصح أو لا يَحْسُنُ تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء، أو تقديمُ السماء على الأرض فيما قدمت الأرض بياناً شافياً. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والاهتما بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والاكتفاءُ بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف، إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق.

إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أُوتوا حظاً من معرفة مواقع الكلام وليس ادعاء يُدَّعى أو كلمة تقال.

وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن - كما في غيره - الذروة في وضع الكلمات الوضعَ الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي ودرت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فترى التعبير متسقاً متناسقاً مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة.

إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف.

إن القرآن - كما ذكرت - يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام - مثلاً - متدرجاً حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب ذكر الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦] فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى: {والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم} [الحجر: ٢٧] فذكر الجن أولاً ثم ذكر الإنس بعدهم.

ونحو قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: ٢٥٥] لأن السِّنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم.

ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت: ٣٨] فإن عاداً أسبق من ثمود.

وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر} [الأنبياء: ٣٣] فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة، وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال: {يُقَلِّبُ الله الليل والنهار} [النور: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: ١] وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل.

قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم قال تعالى: {وَهُوَ العزيز الحكيم} [الحشر: ١] قالوا: لأنه عَزَّ فَحكَمَ.

ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعزّ أي غلب فالقوة أول قال تعالى: {إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: ٤٠، ٤٧] وقال: {وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب: ٢٥] .

وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف، ومنه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولائك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولائك رَفِيقاً} [النساء: ٦٩] .

فقدم الله على الرسول، ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم، فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من بعدَهم بحسب تفاضلهم. كما تدرج من القلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهم أقل الخلق، ثم الصدّيقين وهم أكثر، ثم الشهداء ثم الصالحين، فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل لى الفاضل. ولا شك أن افضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلّما ترقى الناس في الفضل قلَّ صنفهم.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [لأحزاب: ٧] فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم.

وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى: {وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: ١١، عافر: ٢٠] وقال: {هُوَ السميع البصير} [الإسراء: ١، غافر: ٥٦] .

وقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: ٢] .

قدم السمع على البصر.

وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} [الفرقان: ٧٣] .

فقدم الصُمّ وهم فاقدو السمع على العميان هم فاقدو البصر. قالوا: لأن السمع أفضل. قالوا: والدليل على ذلك أن الله لم ييبعث نبياً أَصَمَّ، ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب عليه السلام فإنه عمي لفقدِ ولده.

والظاهر أن السَّمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر، ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها ويتيسر استيعابه لها كالبصير، غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة. فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى، ولذا كان من العميان علماء كبار بخلاف الصُّمِّ. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى.

ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية، وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية، فقدم ذا المدى الأقل متدرجاً من القصر إلى الطول في المدى، ولذا حين قال موسى في فرعون: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى} [طه: ٤٥] قال الله تعالى: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى} [طه: ٤٦] فقد فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكزن في العادة قريباً منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيداً وإن كان الله لا يندّ عن سمعه شيء.

وقد يكون التقديم بحسب الرتبة وذلك كقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [القلم: ١٠-١٢] "فإن الهمَّاز هو العيَّاب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقلٌ للحديثِ من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص".

فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي في النميمة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد من الإيذاء، وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين، وهذه مرتبة أبعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الاعتداء، فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء، أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء. ثم ختمها بقوله: (أثيم) وهو وصف جامع لأنواع الشرور، فهي مرتبة أشد إيذاءً. جاء في (بدائع الفوائد) : "وأما تقدم (هماز) على (مشاء بنميم) فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النيميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتدٍ) فبالرتبة أيضاً لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره".

وجعلوا منه تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَهُوَ السميع العليم} [البقرة: ١٣٧] وقوله: {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} [الأنفال: ٦١] وذلك أنه "خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالمسع لتعلقه بما يقرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن مَنْ سمع حِسَكَ وخَفيّ صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقاً بما ظهر وبطن وواقعاً على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقعُ في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم".

ويمكن أن يُقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه.

وجعلوا منه أيضاً تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله تعالى: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: ١٧٣] في آيات كثيرة وقوله: {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: ١٠٠] قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن "المغفرة سلامة والرحمة غينمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرحيم الغفور} [سبأ: ٢] فالرحمة شملتهم جميعاً والمغفرة تخص بعضاً. والعموم قبل الخصوص بالرتبة".

وإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته، فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم. وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعم.

ومن التقديم بالرتبة أيضاً قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة: {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: ٣٥] فبدأ بالجباة ثم الجنوب ثم الظهور "قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس أزْوَرُّوا عنه وتولوا بأركانهم وولَّوهُ ظهورهم". فتدرج بحسب الرتبة.

وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة فقد يرتب المذكورات متدرجاً من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام وذلك نحو قوله تعالى: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود} [البقرة: ١٢٥] فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرّج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلاّ حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عموماً. والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي: الصلاة تكون في كل أرض طاهرة، أما العكوف فلا يكون إلاّ في المساجد. والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم أن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجود ليس له ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر. فهو هنا تدرّج من القلة إلى الكثرة.

ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى: {وَعَهِدْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود} [البقرة: ١٢٥] فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عموماً ثم الرُّكَّعِ السجود الذي يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض.

ونحوه قوله تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: ٧٧] فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات، ثم السجود وهو أكثر، ثم عبادة الرب وهو أعم، ثم فعل الخير.

وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة وذلك نحو قوله تعالى: {يامريم اقنتي لِرَبِّكِ واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} [آل عمران: ٤٣] فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة، ثم السجود وهو أقل وأخص، ثم الركوع وهو أقل وأخص.

ومنه قوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} [التغابن: ٢] فبدأ بالكفار لأنهم أكثر قال تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: ١٠٣] .

ونحوه قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله} [فاطر: ٣٢] فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثم السابقين وهم أقل. جاء في (الكشاف) في هذه الآية: (فإن قلت: لِمَ قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم وأن المقتصدين قليلا بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل) .

ألا ترى كيف قال الله تعالى في السابقين: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} [الواقعة: ١٣-١٤] إشارة إلى نُدرتهم وقلة وجودهم؟

قالوا: ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر. وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] لأن الزنى فيهن أكثر.

ألا ترى أن قسماً من النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشية ابن المنير على "الكشاف" قوله: "وقدم الزانية على الزاني والسبب فيه أن الكلام الأول في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع والكلام"، و"لأن مفسدته تتحقق بالإضافة إليها".

وقد يكون التقديم لملاحظ أخرى تتناسب مع السياق فنراه يقدم لفظة في موضع ويؤخرها في موضع آخر بحسب ما يقتضي السياق.

فمن ذلك تقديم لفظ (الضرر) على (النفع) وبالعكس قالوا: إنه حيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع، قال تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله} [الأعراف: ١٨٨] فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه في قوله {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولائك هُمُ الخاسرون} [الأعراف: ١٧٨] فقدم الهداية على الضلال، وبعد ذلك قال: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِيَ السواء} [الأعراف: ١٨٨] فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق.

وقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله} [يونس: ٤٩] فقدم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية: {وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: ١١] وقال: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ} [يونس: ١٢] .

فقدم الضر على النفع في الآيتين. ويأتي بعد هذه الآية قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} [يونس: ٥٠] فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا.

وقال: {قُلْ أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} [الرعد: ١٦] . فقدَّم النفع على الضرر، قالوا: وذلك لتقدم قوله تعالى: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً} [الرعد: ١٥] فقدم الطوع على الكره.

وقال: {فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} [سبأ: ٤٢] فقد النفع على الضر، قالوا: وذلك لتقدم قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [سبأ: ٣٩] فقدم البسط.

وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين.

ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب. فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [المائدة: ١٨] وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: ٤٣] وقوله: {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول} [غافر: ٣] .

وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: "إن رحمتي سبقت غضبي"

وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمةُ فيها تقديم ذكر العذاب ترهيباً وزجراً. من ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: ٤٠] لأنها وردت في سياق ذِكْرِ قُطَّاع الطرق والمحاربين والسراق فكان المناسب تقديم ذكر العذاب وذلك أنها وردت بعد وقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: ٣٢] فقدم القتل على الإحياء، وثم قال بعدها: {إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: ٣٣] ، ثم جاء بعدها: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: ٣٨] ، ثم جاء بعدها قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: ٤٠] .

فأنت ترى أن المناسب ههنا تقديم العذاب على المغفرة. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] إلى قوله: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} [المائدة: ٤٠] .

"فإن قلت: لِمَ قدم التعذيب عن المغفرة؟

قلت: لأنه قُوبل بذلك تَقدُّمُ السرقةِ على التوبة".

ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت: {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: ٢١] وذلك لأنها في سياق إنذار إبراهيم لقومه ومخاطبة نمورد وأصحابه وأن العذاب وقع بهم في الدنيا. فقد أنذر إبراهيم قومه قائلاً: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق} [العنكبوت: ١٧] ثم قال: {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين} [العنكبوت: ١٨] وهددهم بعد بقوله: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ أولائك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي وأولائك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: ٢٢-٢٣] فأنت ترى أن السياق يقتضي العذاب هنا.

وقد يكون التقديم والتأخير على نمط آخر غير الذي ذكرت من تقديم الضرر والنفع والعذاب والمغفرة وغيرها من الخطوط العامة. فقد يقدم لفظة في كان ويؤخرها في مكان آخر حسبما يقتضيه السياق.

فمن ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: ٣١] .

وقوله: {والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً * لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} [نوح: ١٩-٢٠] فقد الفجاج على السبل في الآية الأولى، وأخَّرها عنها في آية نوح وذلك أن الفج في الأصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبلين، فلما تقدم في آية الأنبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك، بخلاف آية نوح فإنه لم يرد فيها ذكرٌ للجبال فأخرها.

فوضع كل لفظة في الموضع الذي تقتضيه.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: ١٥٧-١٥٨] فقدم القتل على الموت في الآية الأولى، وقدم الموت في الآية التي تليها وسبب ذلك - والله أعلم - أنه لما ذكر في الآية الأولى (في سبيل الله) وهو الجهاد قدم القتل إذ هو المناسب لأن الجهاد مظنة القتل، ثم هو الأفضل أيضاً ولذا ختمها بقوله: (لمغفرة من الله ورحمة) فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله.

ولما لم يقل في الثانية: (في سبيل الله) قدم الموت على القتل لأنه الحالة الطبيعية في غير الجهاد ثم ختمها بقوله: (لإلى الله تحشرون) إذ الميت والمقتول كلاهما يحشرُهُ الله إليه. فشتان ما بين الخاتمتين. فلم يزد في غير الشهيد ومن مات على أن يقول: (لإلى الله تحشرون) وقال في خاتمة الشهيد: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) فوضع كل لفظة الموضع الذي يقتضيه السياق.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} [السجدة: ٢٧] فقدم الأنعام على الناس.

وقال في مكان آخر: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: ٣١-٣٢] فقدم الناس على الأنعام وذلك أنه لما تقدم ذكر الزرع في آية السجدة ناسب تقديم الأنعام، بخلاف آية عبس فإنها في طعام الإنسان قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ} [عبس: ٢٤] إلى أن يقول: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً *وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: ٢٧-٣٢] ألا ترى كيف ذكر طعام الإنسان من الحب والفواكة أولاً ثم ذكر طعام الأنعام بعده وهو الأبّ أي: التبن، فناسب تقديم الإنسان على الأنعام ههنا كما ناسب تقديم الأنعام على الناس ثَمَّ. فسبحان الله رب العالمين.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: ١٥١] .

وقوله: {وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإسراء: ٣١] فقدم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء، وفي الآية الثانية قدم رزق الأبناء على الآباء، وذلك أن الكلام في الآية الأولى موجه إلى الفقراء دون الأغنياء فهم يقتلون أولادم من الفقر الواقع بهم لا أنهم يخشونه، فأجبت البلاغةُ تقديمَ عِدَتِهم بالرزق تكميل العِدَةِ برزق الأولاد.

وفي الآية الثانية الخطاب لغير الفقراء وهم الذي يقتلون أولادهم خشية الفقر لا أنهم مفتقرقون في الحال، وذلك أنهم يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى فوجب تقديم العدة برزق الأولاد فيأمنوا ما خافوا من الفقر. فقال: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم، أي إن الله جعل معهم رزقهم فهم لا يشاركونكم في رزقكم فلا تخشوا الفقر.

ومن ذلك قوله تعالى: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غِشَاوَةٌ} [البقرة: ٧] .

وقوله: {وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: ٢٣] فقدم القلوب على السمع في البقرة، وقدم السمع على القلب في الجاثية وذلك لأنه في البقرة ذلك القلوب المريضة فقال: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً} [البقرة: ١٠] فقدم القلوب لذلك.

وفي الجاثية ذكر الأسماع المعطلة فقال: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [الجاثية: ٧-٨] فقدم السمع. فوضع كل لفظة في المكان الذي يناسبها.

ثم إن آية البقرة ذكرت من أصناف الكافرين من هم أشد ضلالاً وكفراً ممن ذكرتهم آيةُ الجاثية فقد جاء فيها قوله تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: ٦-٧] .

وجاء في الجاثية قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: ٢٣] فقد ذكر في البقرة أن الإنذار وعدمه عليهم سواء وأنهم مَيؤوسٌ من إيمانهم. ولم يقل مثل ذلك في الجاثية.

ثم كرر حرف الجر (على) مع القلوب والأسماع في آية البقرة مما يفيد توكيد الختم فقال: {على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ} [البقرة: ٧] . ولم يقل مثل ذلك في الجاثية، بل انتظم الأسماع والقلوب بحرف جر واحد فقال: (وختم على سمعه وقلبه) .

ثم قال في البقرة: {وعلى أبصارهم غِشَاوَةٌ} [البقرة: ٧] بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية كما هو معلوم تفيد الدوام والثبات، ومعنى ذلك أن هؤلاء لم يسبق لهم أن أبصروا وإنما هذا شأنهم وخِلْقتهم فلا أملَ في إبصارهم في يوم من الأيام.

في حين قال في الجاثية: {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: ٢٣] بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث. ومعلوم أن (جعل) فِعلٌ ماض، ومعنى ذلك: أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل يدلك على ذلك قوله تعالى: {وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ} [الجاثية: ٢٣] مما يدل على أنه كان مبصراً قبل تَردِّيه. ثم ختم آية البقرة بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [البقرة: ٧] ولم يقل مثل ذلك في الجاثية. فدل على أن صفات الكفر في البقرة أشد تمكناً فيه.

ولذا قدم ختم القلب على ما سواه لأنه هو الأهم، فإن القلب هو محل الهدى والضلال، وإذا ختم عليه فلا ينفع سمع ولا بصر قال تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولاكن تعمى القلوب التي فِي الصدور} [الحج: ٤٦] .

وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"

فكان تقديم القلب في البقرة أولى وأنسب، كما أن تقديم السمع في الجاثية أنسب.

ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا هاذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين} [النمل: ٦٨] .

وقوله: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هاذا مِن قَبْلُ إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين} [المؤمنون: ٨٣] .

فقدم (هذا) في الآية الأولى وأخرها في الآية (المؤمنون) وذلك "أن ما قبل الأولى: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل: ٦٧] ، وما قبل الثانية: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: ٨٢] فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم تراباً. والجهة المنظرو فيها هنا كونهم تراباً وعظاماً. ولا شبهة أن الأولى أدخلُ عندهم في تبعيد البعث ذلك أن البِلَى في الحالة الأولى أكثر وأشد وذلك أنهم أصبحوا تراباً مع آبائهم. وأما في الآية الثانية فالبلى أقل وذلك أنهم تراب وعظام فلم يصبهم ما أصاب الأولين من البلى، ولذا قدم (هذا) في الآية الأولى لأنه أدعى إلى العجب والتعبيد.

ومن ذلك قوله تعالى: {ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إلاه إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: ١٠٢] .

وقوله: {ذلكم الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ} [غافر: ٦٢] .

فأنت ترى أنه قدم في آية الأنعام: {لا إلاه إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: ١٠٢] وأخر {خالق كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٠٢] وفي غافر جاء بالعكس. وذلك أنه في سياق الإنكار على الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص ونَفْيِ الصاحبةِ والولد قال: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وبنات بِغَيْرِ عِلْمٍ سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إلاه إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ فاعبدوه وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: ١٠٠-١٠٢] .

فأنت ترى أن لكلام على التوحيد ونفي الشرك والشركاء والصاحبة والولد ولذا قدم كلمة التوحيد: {لا إلاه إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: ١٠٢] على: {خالق كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٠٢] وهو المناسب للمقام.

ثم انظر كيف قال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٠١] بعد قوله: {أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة} [الأنعام: ١٠١] فأخَّر الخلق بعد التوحيد، وهو نظير تأخيره بعد قوله: {لا إلاه إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: ١٠١] فقال: {لا إلاه إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٠١] وهو تناظر جميل.

أما في (غافر) فليس السياق كذلك وإنما هو في سياق الخلق وتعداد النعم قال تعالى: {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} [غافر: ٥٧] إلى أن يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ * ذلكم الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ} [غافر: ٦٠-٦٢] .

فالكلام كما ترى على الخَلْق وعلى نعم الله وفضله على الناس لا على التوحيد فقدم الخلق لذلك فوضع كل تعبير في موطنه اللائق حسب السياق.

جاء في (البرهان) للكرماني: "قوله: {ذلكم الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: ٦٢] في هذه السورة. وفي المؤمن {خالق كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ} [غافر: ٦٢] لأن فيها قبله ذكر الشركاء والبنين والبنات، فدمغ قول قائله بقوله: {لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ} [غافر: ٦٢] ثم قال: {خالق كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: ٦٢] . وفي (المؤمن) قبله ذكر الخلق وهو {لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} [غافر: ٥٧] فخرج الكلام على إثبات خلق الناس لا على نفي الشريك فقدم في كل سورة ما يقتضيه قبله من الآيات".

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} [الأنفال: ٧٢] .

وقوله: {الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولائك هُمُ الفائزون} [التوبة: ٢٠] .

فقدم الأموال والأنفس على (في سبيل الله) في سورة الأنفال. وقدم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس في سورة التوبة. وذلك لأنه في سورة الأنفال تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة من مثل قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا} [الأنفال: ٦٧] وهو المال الذي فدى الأسرى به أنفسهم، وقوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: ٦٨] أي: من الفداء، وقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} [الأنفال: ٦٩] وغير ذلك فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدؤوا بالتضيحة به.

وأما في سورة التوبة فقد تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله من مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: ١٤] وقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: ١٦] .

وقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله} [التوبة: ١٩] .

فقدم ذكر: (في سبيل الله) على الأموال والأنفس وهو المناسب ههنا للجهاد كما قدم الأموال والأنفس هناك لأنه المناسب للأموال.

ومنه قوله تعالى: {وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: ١٤] .

وقوله: {وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ} [فاطر: ١٢] .

قدم (مواخر) على الجار والمجرور في النحل وقدم (فيه) على (مواخر) في فاطر. وذلك أنه تقدم الكلام في النحل على وسائط النقل، فذكر الأنعام وأنها تحمل الأثقال، وذكر الخيل والبغال والحمير لنركبها وزنية، ثم ذكر الفلك وهي واسطة نقل أيضاً فقال: {وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: ١٤] .

قدم المواخر لأنها من صفات الفُلْك وهذا التقديم مناسب في سياق وسائق النقل. وليس السياق كذلك في سورة فاطر وإنما قال الله: {والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ} [فاطر: ١١] ثم قال: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: ١٢] .

فالكلام هنا على البحر وأنواعه وما أودع الله فيه من نعم. فلما كان الكلام على البحر قدم ضمير البحر على المخر فقال: (وترى الفلك فيه مواخر) .

فانظر كيف أنه لما كان الكلام على وسائط النقل والفلك قدم حالة الفلك، ولما كان الكلام على البحر ذكر ما يتعلق به.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هاذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: ٨٩] .

وقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هاذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: ٥٤] .

قدم (للناس) على (في هذه القرآن) في الإسراء وأخرها في (الكهف) وذلك لأنه تقدم الكلام في (الإسراء) على الإنسان ونِعَم الله عليه ورحمته به فقال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً} [الإسراء: ٨٣] .

فناسب ذلك تقديم الناس في سورة الإسراء.

ولم يتقدم مثل ذلك في الكهف.

ثم انظر في افتتاح كل من السورتين فقد بدأ سورة الكهف بقوله: {الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} [الكهف: ١-٢] .

فقد بدأ السورة بالكلام على الكتاب وهو القرآن ثم ذكر بعده أصحاب الكهف وذكر موسى والرجل الصالح وذكر ذا القرنين وغيرهم من الناس، فبدأ بذكر القرآن ثم ذكر الناس، فكان المناسب أن يقدم ذكر القرآن على الناس في هذه الآية كما في البدء.

وأما سورة الإسراء فقد بدئت بالكلام على الناس ثم القرآن. فقد بدئت بقوله تعالى: {سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: ١] .

ثم تكلم على بني إسرائيل، ثم قال بعد ذلك:

{إِنَّ هاذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: ٩] .

فكان المناسب أن يتقدم ذكر الناس فيها على ذكر القرآن في هذه الآية. وهذا تناسب عجيب بين الآية ومفتتح السورة في الموضعين.

ثم انظر خاتمة الآيتين، فقد ختم آية الإسراء بقوله: {فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: ٨٩] والكُفُور: هو جحد النعم، فناسب ذلك تقدم ذكر النعمة والرحمة والفضل ألا ترى أن مقابل الشكر الكفران ومقابل الشاكر الكفور قال تعالى: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: ٣] فكان ختام الآية مناسباً لما تقدم من السياق.

أما آية الكهف فقد ختمها بقوله: {وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: ٥٤] لما ذكر قبلها وبعدها من المحاورات والجدل والمراء من مثل قوله تعالى: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: ٣٤] . وقوله: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: ٣٧] .

وبعدها: {ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} [الكهف: ٥٦] .

وذكر محاورة موسى والرجل الصالح ومجادلته فيما كان يفعل.

وقال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} [الكهف: ٢٢] .

ولم يرد لفظ الجدل ولا المحاورة في سورة الإسراء كلها. فما ألطف هذه التناسق وأجمله وما أَجَلَّ هذا الكلام!

ومن ذلك قوله تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [البقرة: ٢٦٤] .

وقوله {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد} [إبراهيم: ١٨] .

فقال في آية البقرة: {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: ٢٦٤] فقدم الشيء وأَخَّرَ الكَسْب.

وقال في سورة إبراهيم: {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ} [إبراهيم: ١٨] فقدّم الكسب وأخّر الشيء، وذلك أن آية البقرة في سياق الإنفاق والصدقة، والمنفقُ معطٍ وليس كاسباً، ولذلك أَخَّر الكسب فقال: {لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} [البقرة: ٢٦٤] .

وأما الآية الثانية فهي في سياق العمل، والعامل كاسب فقدم الكسب.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم} [آل عمران: ١٢٦] .

وقوله: {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: ١٠] .

فقدم القلوب على الجار والمجرور في آل عمران فقال: (ولتطمئن قلوبكم به) ، وأخَّرها عنه في الأنفال فقال: (ولتطمئن به قلوبكم) علماً بأن الكلام على معركة بدر في الموطنين غير أن الموقف مختلف.

ففي آل عمران ذكر معركة بدر تمهيداً لذكر موقعه أُحد وما أصابهم فيها من قرح وحزن والمقام مقام مَسْح على القلوب وطمأنةٍ لها من مثل قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} [آل عمران: ١٣٩-١٤٠] إلى غير ذلك من آيات المواساة والتصبير فقال في هذا الموطن: {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: ١٢٦] فذكر أن البشرى (لهم) ، وقَدَّمَ (قلوبهم) على الإمداد بالملائكة فقال: {إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: ١٢٦] كل ذلك من قبيل المواساة والتبشير والطمأنينة.

ولما لم يكن المقام في الأنفال كذلك، وإنما المقام ذكر موقعة بدر وانتصارهم فيه ودور الإمداد السماوي في هذا النصر وقد فصل في ذلك أكثر مما ذكر في آل عمران فقال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: ٩-١٢] .

أقول لما كان المقام مختلفاً خالف في التعبير.

إنه لما كان المقام في الأنفال مقام الانتصار وإبراز دور الإمداد الرباني قدم (به) على القلوب والضمير يعود على الإمداد. ولما كان المقام في آل عمران هو الطمأنة وتسكين القلوب قدمها على الإمداد فقال: {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} [الأنفال: ١٠] وزاد كلمة (لكم) فقال: {وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ} [آل عمران: ١٢٦] زيادة في المواساة والمسح على القلوب فجعل كلاً من مقامه.

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: ١٧٣] وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب} [المائدة: ٣] .

وقوله: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: ١٤٥] .

فقد قال في آية البقرة: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} [البقرة: ١٧٣] فقدم (به) على (لغير الله) . ومعنى: (ما أهل به) : ما رُفع الصوتُ بذبحهِ وهو البهمية.

وقال في آيتي المائدة والأنعام: {وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} [المائدة: ٣] فقدم (لغير الله) على (به) وذلك أن المقام في آية الأنعام هو في الكلام على المفترين على الله ممن كانوا يشرعون للناس باسم الله وهم يفترون عليه فقال: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هاذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهاذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَقَالُواْ هاذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وأنعام حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا افترآء عَلَيْهِ} [لأنعام: ١٣٦-١٣٨] .

إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن ثمة ذوات غير الله تُحلِّلُ وتُحَرِّمُ مفتريةً على الله، وذوات يزعمون أنها شركاء لله تُعبد معه ونصيبها أكبر من نصيب الله في العبادة، ولذا قدم إبطال هذه المعبودات من غير الله على (به) فقال: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [الأنعام: ١٤٥] لأنه هو مدار الاهتمام والكلام.

والكلام في المائدة أيضاً على التحليل والتحريم ومَنْ بيدِه ذلك، ورفض أية جهة تُحلِّلُ وتُحرِّم من غير الله فإن الله هو يحكم ما يريد. قال: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ... * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ... * يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ... } [المائدة: ١-٤] .

فهو يجعل التحليل والتحريم بيده ويرفض أية جهة أخرى تقوم بذلك، لأن ذلك من الشرك الذي أبطله الإسلام ولذا قدمه في البطلان فقال: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [المائدة: ٣] . ثم إنه جاء في الموطنين بذكر اسم الله على الذبائح فذكر في آية الأنعام أن المشركين لا يذكرون اسم الله على بعض ذبائحهم تعمداً فقال: {وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا} [الأنعام: ١٣٨] . وأمر في آية المائدة بذكر اسم الله فقال: {واذكروا اسم الله عَلَيْهِ} [المائدة: ٤] فناسب ذلك تقديم بطلان ذكر غير الله.

وأما في البقرة فليس كذلك فلم يذكر أن جهة أخرى تقوم بالتحليل والتحريم وإنما الكلام على ما رزق الله عباده من الطيبات فقال: {ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً} [البقرة: ١٦٨] . وقال بعدها: {ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} [لبقرة: ١٧٢-١٧٣] .

فلما كان المقام مقام الرزق والطعام والأمر بأكل الطيبات قدم (به) . والضمير يعود على ما يذبح وهو طعام مناسبة للمقام والله أعلم.

ومن ذلك قوله تعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: ١٦-١٧] .

وقوله: {قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: ٦٥] .

فقدم خَسْفَ الأرضِ على إرسال الحاصب في آية المُلك، وأخَّر عذابَ الأرض عما يأتي من السماء في آية الأنعام.

وذلك أن آية الملك تَقدَّمها قولُه تعالى: {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ} [المُلك: ١٥] فكان أنسب شيء في الموعظة تذكيره بخسفها من تحتهم. "أما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: ٦١] فصرف هذا الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التي ذكر منها القهر، وكان أنسب شيء ذكر منها القهر وكان أنسب شيء ذكر التخويف من تلك الجهة بخلاف آية المُلك".

ومما زاد ذلك حسناً قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام: ٦١] والحَفَظةُ: هم الملائكة، والملائكة مسكنهم في السماء، وربنا يرسلهم من فوق فناسب تقديم هذه الجهة على غيرها.

ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة فإن فيها كفاية فيما أحسب فهي تدل على دلالة واضحة على أن التعبير القرآني تعبير مقصود، كلُّ لفظٍ فيه وُضِعَ وضعاً فنياً مقصوداً، وأنه لم يقدم لفظة على لفظة إلا لغرض يقتضيه السياق. وقد رُوعيَ في ذلك التعبير القرآني كله ونظر إليه نظرة واحدة شاملة.

وأظن أن ما مر من الأمثلة تريك شيئاً من فخامة التعبير القرآني وعُلُوِّهِ وأن مثل هذا النَّظْم لا يمكن أن يكون في طوق بشر فسبحان الله رب العالمين.

<<  <   >  >>