للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والعياذ بالله! وقد قيل: «طُوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس».

وقد أحسن الأوَّل حين قال:

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي من نفسي عن النَّاس شاغل

ولا يعني هذا إغلاق باب النصح بين الناس حتى يكتمل الناصح! فإنَّ هذا لا يقوله أحدٌ، وإلا للزم منه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنَّ المقصود أن يحذر العبد أن يكون مُولعًا بتتبُّع عيوب الناس، غافلًا عن عيوب نفسه، وألا يكون مُنصفًا، بحيث يعامل الناس بالذي يحب أن يعاملوه به، ويكره أن يعامل الناس بالذي يكره معاملتهم له به.

ومن العبر في هذا الباب: قول الإمام مالكٍ رحمه الله: أدركت بهذه البلدة- يعني: المدينة - أقوامًا لم تكن لهم عيوبٌ، فعابوا الناس؛ فصارت لهم عيوبٌ، وأدركت بها أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فسكتوا عن عيوب الناس؛ فنُسيت عيوبهم (١).

ولو أنَّ الناس طبَّقوا موعظة ابن عباسٍ هذه «إذا أردتَّ أن تذكر عيوب صاحبك، فاذكر عيوب نفسك»، لأحجموا عن كثيرٍ ممَّا يتكلَّمون به في مجالسهم، ومنتدياتهم، ومواقعهم على الشبكة العالميَّة، أو القنوات الفضائيَّة، ولاستفادوا من ذلك فائدةً أخرى، وهي: حفظ حسناتهم من الذَّهاب لخصومهم، والسلامة من كبيرة الغيبة، التي أحرقت كثيرًا من الحسنات، وجلبت كثيرًا من السيِّئات، والله المستعان.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف من أنفسنا، والبصر بعيوبنا، والتماس الأعذار لإخواننا.


(١) الضوء اللامع، لأهل القرن التاسع (١/ ١٠٦).

<<  <   >  >>