للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[ما جرى للمسلمين حين نسوا دينهم]

هذا ولما طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، ونسوا وتناسوا ما لأجله بعثهم الله على كثرة من الناس، وتوافر من أمم الأرض، وهو قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: ١١٠].

ونسوا ما لأجله خرجوا من جزيرتهم، يُخرجون الناس من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، وصاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وصاروا يعيشون حياة لاهية حرة، حياة من لا يعرف نبيا ولا يؤمن برسالة ووحي، ولا يرجو حسابا، ولا يخشى معادا، وأشبهوا الأمم الجاهلية التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها، وسياستها وأخلاقها، ومناهج حياتها، وفي كثير مما مقتها الله لأجله وخذلها. وأصبحوا لا هم لهم ولا شغل، الا الأكل والشرب والتناسل، وأصبحوا كرعايا الناس ليس لهم فرقان ولا نور يمشون به بين الناس، وأشبهت ملوكهم وأمراؤهم، جبابرتها وفراعنتها وأغنياؤهم مترفيها وأكابر مجرميها، وكاد يسبق فجارهم فجارها، تحاسد وبغضاء ومنافسة في السلطان، وتكالب على حطام الدنيا، واخلاد الى الترف والنعيم، واعراض عن الآخرة، وسفك للدماء، وهتك للأعراض، وهضم للحقوق وغدر بالعهود والذمم، وتعد على حدود الله واعانة للظالم، وجنف (١) في الحكومات والمظالم، وتبذير لأموال الله، وعموم الفواحش والمنكرات، وابتداع للجرائم، وابداع في الخيانة، مما يحتاج بسطه الى مجلدات، فهانوا اذا على الله مع أسمائهم الاسلامية، ورغم وجود الصالحين فيهم، وظهور بعض الشعائر الدينية، والواجبات


(١) الجنف: الميل.

<<  <   >  >>