للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

إن الاقتصاد- مهما كانت توعيته المذهبية- هو تجسيم لحضارة، على شرط أن نحددها بصفتها مجموعة الشروط المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه.

فهذا التحديد الوظيفي يجعلنا نرى في الحضارة جانبين: الجانب الذي يتضمن شروطها المعنوية، في صورة إرادة تحرك المجتمع نحو تحديد مهماته الاجتماعية والاضطلاع بها، والجانب الذي يتضمن شروطها المادية، في صورة إمكان، أي أنه يضع تحت تصرف المجتمع الوسائل الضرورية للقيام بمهماته، أي بالوظيفة الحضارية.

فالحضارة هي هذه الإرادة وهذا الإمكان. وبهذا نستطيع الآن التعبير عن الاقتصاد على أنه الصورة المحَسّة، لهذه الإرادة ولهذا الإمكان، في ميدان خاص هو ميدان الاقتصاد.

كما نستطيع أيضاً تقديم متوسط الدخل الفردي السنوي، الذي أعطانا مدخلاً لهذا البحث، على أنه مجرد تعبير عن الإمكان الحضاري، أو على الضمانات الاجتماعية بطريقة الأرقام.

وهنا يجدر بنا الوقوف عند العلاقة النسبية بين الإرادة الحضارية والإمكان الحضاري في الظروف الموضوعية، أي في الظروف الواقعية التي تواجه مجتمعاً منذ نقطة الانطلاق، أو في الحالات الشاذة التي تشبه نقطة انطلاق.

فلدينا تجربتان، الواحدة في تاريخ الأمة الإسلامية العربية، والأخرى في تاريخ أمة معاصرة هي ألمانيا.

فالأمة العربية في زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم - انطلقت من نقطة الصفر من حيث الإمكان، لم يكن لديها شيء للاضطلاع بمهماتها الجسيمة، في المجال الاجتماعي والسياسي والعسكري، على حد سواء.

<<  <   >  >>