للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأقرا المكتوب جمع بلغ عدد التواتر وحمله عدد مثله. والقطع على كل حال لم نستفده من محض الكتابة وخصوصيتها، وإنما هو من التواتر الكتابي في الحالة الأولى، أو اللفظي بإقرارهم في الحالة الثانية.

الكِتَابَةُ دُونَ الحِفْظِ قُوَّةً:

ومع أن الكتابة تفيد الظن - على ما علمت فهي دون الحفظ في هذه الإفادة. ولذلك ترى: أن علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع وحديث مكتوب، يُرَجِّحُونَ الأول، قال الآمدي (١): «وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَىَ الْمَرْوِيَِّ فَتَرْجِيحَاتٌ. الأَوَّلَ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعِ مِنَ الْنَّبِيِِّ - صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى عَنْ كِتَابٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى، لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ الْتَّصْحِيْفِ وَالْغَلَطِ».

وترى (اَيْضًا): أن علماء الحديث - بعد اتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع - قد اختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة. (فمنهم): من أجازها مُحْتَجًّا: بأن النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب لأمير سرية كِتَابًا وقال: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في تعاليق البخاري في " صحيحه ". و (منهم): من لم يجزها دافعًا ما تقدم بأن الحجة إنما وجبت بكتاب رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المذكور، لعدم توهم التبديل والتغيير فيه، لعدالة الصحابي، بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي. وهو دفع ضعيف كما ترى. ولذلك كان الصحيح: صحة الرواية بأحدهما ما دامت العدالة متحققة، وانتفى ما يوجب الشك في المكتوب. قال ابن حجر (٢): «وَأَقُولُ: شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ.

وبالجملة: فالمكاتبة فيها من الاحتمالات أكثر مما في التحديث شفاها.


(١) في " الإحكام ": ج ٤ ص ٣٣٤.
(٢) في " الفتح ": ج ١ ص ١١٥.

<<  <   >  >>