للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

على سبيل التقريب لأفهامهم، والتأنيس لقلوبهم، ولقد نبه في كتابه على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين، فنبه على الأول بقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فهذا يفهم أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى، ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به" إلخ ... الحديث، وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} وبقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ١.

وكأني بابن اللبان هنا يستشعر -بذوقه الأدبي الرفيع- ما في الكناية عن الحقائق الدينية الكبرى من الحسن والجمال: فبهذا الأسلوب الرمزي ترتسم في الخيال الإنساني صورة حسية عن الفكرة المجردة، وتقرب إلى الناس في جميع الأجيال أسمى الحقائق بواسطة الخيال.

ولعل اشتمال القرآن على المتشابه وعدم اقتصاره على المحكم وحده، أن يكون حافزًا للمؤمنين على الاشتغال بالعلوم الكثيرة التي تقدرهم على فهم الآيات المتشابهات فيتخلصون من ظلمة التقليد، ويقرءون القرآن متدبرين خاشعين٢.


١ الزرقاني، مناهل ٢/ ١٩٣-١٩٤.
٢ البرهان ٢/ ٧٥.

<<  <   >  >>