فإن الممدوح إبراهيم بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك وأما التقديم والتأخير ففي قوله وما مثله، البيت، فإن تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا أبو أمه أبوه. وسلوك طريق التعقيد في قوله أبو أمه أبوه، وكان يجزيه قوله جده. وهذا لعمري هو التعقيد الذي بينه وبين التهذيب والتأديب الذي قررناه، بعد المشرقين. وقد تقدم قولي: إن البديعيين أجمعوا على أن هذا النوع ليس له شاهد يخصه؛ لأنه وصف يعم كل كلام منقح فاختصرت الشواهد، ليظهر للمتأمل من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات في هذا النوع، أعني التهذيب والتأديب.
ولكن رأيت العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع قد استحسن من الشواهد اللائقة بهذا النوع قول القاضي السعيد بن سنا الملك.
تغنى عليها حليها طربًا بها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
قال: وقوله صحيح، لو لم تقدم في صدر البيت لفظة مشتقة من الغناء، حصل بها في البيت من الرونق ما لا يحسن بدونها، وكان البيت خاليًا من التهذيب، فإن بوجودها حصل في بيته تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب فإنه لو قال:
زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع، يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم
قد تكرر قولي أنني لم أكثر من شواهد هذا النوع، إلا ليظهر فيه من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
والله هذبه طفلًا وأدبه ... فلم يحل هديه الزاكي ولم يرم١
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
تهذيب تأديبه قد زاده عظمًا ... في مهده وهو طفل غير منفطم