للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

للهجرة، فقد نضجت حركة المربد الأدبية والعلمية نضجا يتسق هو وما وصلت إليه الدولة من حسن الحال وسعة الأفق ومرافق الحضارة وبسطة العلم وسعة السلطان. وكان من أبطال المربد أكابر النحاة ورواة الشعر والأدب والشعراء. والذي كان جديدا في هذا العهد ولم يكن قبل، الناحية العلمية, وأعني بها ما كان يصنعه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وقبيلهما من غشيان لفصحاء١


١ كان المربد مدرسة عملية تعلم الفصاحة, ويُهرع إليه طلابها من كل وجه ونبغ منهم عدد غير قليل, والنظام والجاحظ من مشهوريهم, فقد ذكر المؤرخون أن الثاني تلقف الفصاحة شفاها بالمربد. وأهل البصرة في الجملة من أفصح أهل الأمصار، بل إن الجاحظ ليذهب أبعد من ذلك, فيزعم أنهم أفصح أهل الأمصار عامة، ولسنا نستطيع أن ننسب هذا منه إلى عصبية لبلده. جاء في كتابه البيان والتبيين "١/ ٣٣ السندوبي":
"قال أهل مكة لمحمد بن مناذر الشاعر: "ليست لكم -معاشر أهل البصرة- لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة" فقال ابن مناذر: "أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم:
أنتم تسمون القدر: بُرمة، وتجمعون البرمة على برام، ونحن نقول: قدر ونجمعها على قدور، وقال الله عز وجل: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: ١٣] .
وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، وتجمعون هذا الاسم على علالي ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غرفات وغرف، وقال الله تبارك وتعالى: {غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} [الزمر: ٢٠] وقال: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: ٣٧] .
وأنتم تسمون الطلع: الكافور والإغريض، ونحن نسميه الطلع, وقال الله عز وجل: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء: ١٤٨] " فعدّ عشر كلمات, ولم أحفظ أنا منها إلا هذا".

<<  <   >  >>