للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

صفحات طويلة، وكلها في صيغ من بنات أفكاره, يحاول أن يقيسها على صيغ معروفة. وعلى هذا النسق "باب ما قِيس من المضاعف الذي عينه ولامه من موضع واحد, ولم يجئ في الكلام إلا نظيره من غيره" ويستهله على هذا النحو: "تقول في فُعَل من رددت: رُدَد، كما أخرجت فِعَلا على الأصل؛ لأنه لا يكون فعلا، وتقول في فَعَلَان: رَدَدَان, وفُعَلَان: رُدَدَان يجري المصدر في هذا مجراه لو لم يكن بعده زيادة, ألا تراهم قالوا: خُشَشَاء، وتقول في فَعُلان: رَدّان, وفَعِلان: رَدّان أجريتهما على مجراهما وهما على ثلاثة أحرف ليس بعدها شيء كما فعلت ذلك بفعُل وفعِل، وتقول في فَعَلُول من رددت: رددود, وفَعَلِيل ردديد كما فعلت ذلك بفَعلان"١. وعلى هذا النحو لا يحيط سيبويه بأبنية اللغة وشاراتها النحوية فحسب، بل يمد بحثه فيهما إلى كل مظنون في التعبير وكل صيغة ممكنة، مع دعم كلامه بالأقيسة والعلل دعما لا يعلم به النحو والصرف فحسب، بل يعلم به أيضا العقل، ويرهف الحس اللغوي عند قارئه، إذ لا يزال يعرض عليه دقائق التعبير وخصائص الأبنية عرض من أتقنها علما وفقها وتحليلا. ويدل على ذلك من بعض الوجوه وقوفه عند المصادر التي جاءت على وزن فَعلان، إذ نراه يحس فيها دلالة على الاضطراب والحركة في أحداثها لتوالي الحركات في بنائها، يقول: "ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني, قولك: النَّزوان والنقزان والقَفَزان، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، ومثله العسلان والرتكان ... ومثل هذا الغليان؛ لأنه زعزعة وتحرك، ومثل ذلك: اللهبان ... والوهجان لأنه تحرك الحر وثئوره، فإنما هو بمنزلة الغليان"٢. وبهذا الحس المرهف وما سنده من ملكات عقلية باهرة رسم سيبويه أصول العربية وصاغ لها قوانينها الإعرابية والصرفية، وفيه يقول ابن جني: "لما كان النحويون بالعرب لاحقين وعلى سَمْتهم آخذين وبألفاظهم متحلِّين ولمعانيهم وقُصُودهم آمِّين, جاز لصاحب هذا العلم "سيبويه" الذي جمع شَعَاعه٣،


١ الكتاب ٢/ ٤٠٢.
٢ الكتاب ٢/ ٢١٨.
٣ شعاعه: متفرقه.

<<  <   >  >>