للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

من الجغرافيين١. ولا شك أن هنتنجتون كان مبالغًا عندما ربط التاريخ البشري كله وبجميع تفاصيله وأحداثه بظروف المناخ وتغيراته. وقد وجدت فئة أخرى من العلماء عكفت على هدم نظريات سمبل وهنتنجتون وإثبات بطلانها. غير أن هذه الفئة الأخرى قد تطرفت أيضًا في منحاها نحو إغفال أثر عامل المناخ والتقليل من شأنه، ويمكننا القول أن تلك الفئة -التي تغلب العامل البشري وتجعل منه كل شيء ومن البيئة الطبيعية لا شيء- لا تقل انحرافًا عن هنتنجتون ومدرسته، ولكن ما يجب عمله هو إبراز أثر المناخ إذا وجد له أثر وتجنب إقحامه إذا لم يكن أثره ملموسًا، وغني عن الذكر أنه في إطار الظروف المناخية خاصة والطبيعية عامة للبيئة الجغرافية يستطيع الإنسان أن يكيف نفسه وأن يختار الطريق الذي يروق له داخل ذلك الإطار الذي تقدمه البيئة الطبيعية. ومن منا ينكر أن درجات الحرارة تتغير من الصيف إلى الشتاء وأننا نغير ملابسنا بين فصل وآخر مع تغيرات الحرارة٢.

وقد ظهرت نظريات كثيرة عن ارتباط المناخ بالإنسان من المراحل الأولى للحضارة البشرية. ويميل الكثيرون إلى الاعتقاد بأن الإنسان الأول قد بدأ حياته وأولى مراحل حضارته في منطقة لا بد أنها قد امتازت بالمناخ المعتدل الملائم لحياة الإنسان. فمثلًا لا يحتمل أن الموطن الأصلي للإنسان كان في منطقة ذات مناخ استوائي شديد الحرارة وغزير الأمطار، أو في مناخ قطبي شديد البرودة أو آخر كثير العواصف، ولكن لا بد أن أولى المراحل البشرية قد بدأت


١ Ellsworth Huntuington: Mainsprings of Civilization John Wiley & Sons, lnc., ١٩٤٥.
٢ Thomas A. Blair & Robert C. Fite, Weather Elements Englewood Cliffs, N. J., Prentiee - Hall, lnc., ٤ th ed.. ١٩٥٩ ٣٥٩p.

<<  <   >  >>