للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة، والرسول صلى الله عليه وسلم يحس حالة أصحابه ويرى نفوسهم من داخلها فيقول: "من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة؟ ".

ومع هذا الشرط بالرجعة، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، فإن أحداً لا يلبي النداء!!

فإذا عين حذيفة بالاسم قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني (١) .

ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة، ولكن كان إلى جانب الزلزلة وزوغان الأبصار وكرب الأنفاس، كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله، والإدراك الذي لا يضل عن سنة الله، والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها.

ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سبباً في انتظار النصر، ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل:

«أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» (٢) .

وها هم يزلزلون، فنصر الله إذن منهم قريب! ومن ثم قالوا: «هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً» (٣) (٤) .

فقد زادهم إيماناً أن رأوا الأهوال تحدق بهم والأحزاب تتألب عليهم؛ ليقينهم أنه ما لم يكن ذلك الابتلاء والتمحيص فلا نصر، لأنه في الحقيقة لا إيمان يمكن الجزم به، بل هي دعاوى كل يقدر أن يدعيها، فإذا اجتاز المؤمن الابتلاء تحقق الإيمان، وإذا تحقق الإيمان تحقق النصر. هذه سنن ثابتة وحقائق ساطعة.

وبعد هذا نطوي وقائع شاقة ومشاهد بليغة لنصل إلى يوم الحديبية وبيعة الرضوان. تلك التي كانت كسابقاتها امتحاناً شديداً للإيمان، ولكنه امتحان من نوع آخر!


(١) الحديث رواه مسلم، الجهاد رقم (١٧٨٨) ، وذكر له الحافظ طرفاً أخرى فيها زيادات (٧/٤٠٠- ٤٠١) .
(٢) [البقرة: ٢١٤]
(٣) [الأحزاب:٢٢]
(٤) الظلال، تفسير الأحزاب، ص ٢٨٤٣.

<<  <   >  >>