للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

يقع التنازع، وارتفع الخلاف، ولم يحتج إلى تدبر ولا اعتمال ولا تفكر، ولبَطَل الابتِلاءَ، ولم يحضر الامتحان، ولا كان للشُّبهة مدخل ولا وَقَعَ شك ولا حسبان ولا ظن، ولا وجد ذُهُول؛ لأن العلم وإن يكون طبعًا، وهذا قياس، فبطل أن تكون العلوم كلها جليَّة، ولو كانت كلها خفيَّة لم يُتَوَصَّل إلى معرفة شيء منها، إذ الخفي لا يعلم بنفسه؛ لأنه لو عُلِم بنفسه لكان جليًّا، وهذا فاسد، أيضًا، فبطل أن تكون كلها خفيَّةَ، وقد قال اللَّه عَزَّ وجَلَّ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: الآية ٧] إلى قوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: الآية ٧].

وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: الآية ٨٣].

وإذا بطل أن يكون العلم كله جليًّا، وبطل أن يكون كله خفيًّا، ثبت أن منه جليًّا ومنه خفيًّا، وباللَّه التوفيق.

بَابُ الكَلام فِي وُجُوبِ النَّظَرِ (١)

وجوب النظر والاستدلال هو مذهب مَالِكٍ -رحمه اللَّه تعالى- لأنه قد يستدلّ في المسائل بأدلة متعددة، وتقدّم أن في الدلائل خفيًّا وجليًّا، فلا بد من النظر؛ لأن


= الدلالة فالأولى أنه يقال: الدال ذاكر الدلالة على وجه التمسك بها ويسمى اللَّه تعالى دليلًا بالإضافة، وأنكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب الحدود قال: ولا حجة في قولهم للَّه تعالى يا دليل المتحيرين لأن ذلك ليس من قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أحد من الصحابة وإنما هو قول أصحاب العكاكيز وحكى غيره في جواز إطلاق الدليل على اللَّه وجهين مفرعين على أن الخلاف في أن أسماء اللَّه هل تثبت قياسًا أم لا؟ لكن صح عن الإِمام أحمد أنه علم رجلًا أن يدعو فيقول يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين.
فالثانية: ما به الإرشاد أي العلامة المنصوبة لمعرفة الدليل ومنه قولهم العالم دليل الصانع ثم اختلفوا فقيل حقيقة الدليل: الدال وقيل بل العلامة الدالة على المدلول بناء على استعمال المعنيين في اللغة وقال صاحب الميزان من الحنفية الأصح إنه في اللغة اسم للدال حقيقة وصار في العرف اسمًا للاستعمال فيكون حقيقة عرفية وفي الاصطلاح: الموصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب. انظر الصحاح ٢/ ١٦٩٨، المحصول ١/ ١/ ١٠٦، الأحكام للآمدي ١/ ١٤٥، تيسير التحرير ١/ ٣٣.
(١) انظر لغة الانتظار وتقليب الحدقة نحو المرئي والرحمة والتأمل ويتميز بالمعدى من حروف الجر. وفي الاصطلاح: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن. انظر البحر المحيط ١/ ٤٢.

<<  <   >  >>