للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويبلغ (١) من تعظيم الحمام لحرمة بيت الله الحرام أن أهل مكة عن آخرهم لم يروا حماماً قط سقط على ظهر الكعبة إلا من علة عرضت له، فإن كانت هذه المعرفة اكتساباً فالحمام فوق جميع الطير وكل ذي أربع، وإن كان إنما هو من طريق الإلهام فليس ما يُلْهَم كما لا يلهم.

وأول (٢) من اتخذ الحمام للهدي أن ملكين طلب أحدهما مُلْكَ صاحبه، وكان المطلوب أكثر مالاً وأشجع رجالاً وأخصب بلاداً، وكان بينهما مسافة بعيدة، فخافه الطالب على ملكه فاستشار وزراءه، فأشاروا عليه بآراء منها مصاهرة الملك والخطبة إليه ليستكفي بذلك سره، فأظهر الملك خطبته وأرسل رسولاً إليه وهدايا، وأمر رسله أن يصانعوا جميع من يصلون إليه، ودسّ رجالاً من ثقاته وأمرهم باتخاذ الحمام ببلاده وتوطينهن، واتخذ أيضاً عند نفسه مثلهن، فرفعهن (٣) من غاية إلى غاية إلى أن بلغ الغرض، وجعل هؤلاء يرسلون من بلاد الملك والآخرون يرسلون من بلاد الملك الآخر وأمرهم بمكاتبته بالخبر كل يوم، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام، فصار لا يخفى عليه شيء من أمر عدوه فأطمعه عدوّه في التزويج وطاوله ليطلب غِرَّتَهُ، ودسَّ لحرسه رجالاً فلاطفوهم حتى صارا يبيتون بإيوانه، فلما وجدوا منه غرة كتبوا إليه بغرته، فأتاه الخبر من يومه، فسار إليه بجند انتخبهم وأخذ بمجامع الطرق، ووثب أصحابه من داخل، وهو وجنده من خارج، ففتحوا الأبواب وقتلوا الملك وغلب على تلك المملكة، فعظَّمته الملوك وهابوه، وطار صيته بالحزم والكيد وأطاعوه، وكان ذلك بسبب الحمام.

قال الجاحظ (٤) : وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار، ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا صقر ولا عُقاب ولا طاووس ولا بعير ولا حمار ولا بغل، وذلك معروف في بغداد والبصرة. والحمام إذا جاء من الغاية (٥) بيع الفرخ الذكر من فراخه بعشرين ديناراً وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير وأكثر، فيقوم الزوج منها في الغلة مقام الصنعة (٦) الفاخرة حتى


(١) الحيوان ٣: ١٩٣ - ١٩٤.
(٢) الحيوان ٣: ٢٨٤.
(٣) ص: مثلهم فرفعوهن.
(٤) الحيوان ٣: ٢١٢.
(٥) ص: غاية.
(٦) الحيوان: الضيعة.

<<  <   >  >>