للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

للمفعول كثيرة، منها ما يجوز فيه الحذف والإضمار لقيام القرينة، ومنه عنده قول الشاعر:

ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت١

إذ جعل تقديره: ألا ترونني رجلا هذه صفته، فحذف الفعل مدلولا عليه بالمعنى٢. وقد يحذف وجوبا على نحو ما هو معروف في التحذير والاختصاص ويجعل من مواضعه المدح كما في الاختصاص، وكذلك الذم، إذ نراه يعرض للآية الكريمة: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} فقد جاءت كلمة {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} بالنصب، ولو كانت معطوفة على ما قبلها لكان حقها الرفع، ويقول الخليل: إنها منصوبة بفعل محذوف قصدا للثناء والتعظيم, كأنه قيل: اذكر أهل ذاك واذكر المقيمين، ويقول: وهذا شبيه بقولهم "أي: في الاختصاص": إنا بني فلان نفعل كذا؛ لأنهم لا يريدون أن يخبروا من لا يدري بأنهم من بني فلان وإنما يذكرون ذلك افتخارا، ويعلق على قول أمية بن أبي عائذ:

ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى

فيقول: إنه نصب شعثا بإضمار فعل لا يصح إظهاره؛ لأن ما قبله دل عليه، فوجب حذفه على ما يجري عليه تعبيرهم في الذم والمدح٣. ويقف بإزاء الآية الكريمة: {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} ويقول: إن خيرا مفعول به لفعل محذوف وجوبا لجريان التعبير مجرى المثل، كأنه قيل: ائتوا خيرا لكم، ويستطرد لقول القائل: "انتهِ يا فلان أمرا قاصدا", ويقولون: إن أمرا مفعول به لفعل محذوف على تقدير: وأت أمرا قاصدا٤. وعلى نحو ما يُحذف الفعل مع المفعول, يحذف مع المصادر كثيرا مثل: مرحبا وأهلا, كأنه بدل من: رحبت بلادك وأهلت، وحين مثل بذلك قال: إنه بمنزلة رجل رأيته سدّد سهما فقلت: القرطاس أي: أصبت القرطاس٥.


١ محصلة هنا: تحصل الخير لصاحبها.
٢ الكتاب ١/ ٣٥٩.
٣ الكتاب ١/ ٢٤٩ وما بعدها.
٤ الكتاب ١/ ١٤٣.
٥ الكتاب ١/ ١٤٨.

<<  <   >  >>