للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِعْمَالِ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ المقتدى به وحكم الاقتداء به

...

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:

إِنَّ الْمُقَلِّدَ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ دِينِيَّةٌ؛ فَلَا يَسَعُهُ فِي الدِّينِ إِلَّا السُّؤَالُ عَنْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ١؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يتعبد الخلق بالجهل، وإنما تعبدهم على متضى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه} [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] لَا عَلَى مَا يَفْهَمُهُ٢ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، بَلْ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي صِنَاعَةِ النحو، أي: إن الله يعلمكم


١ أي: سواء أَسَأَل عنها وطلب الوقوف على دليلها حتى يقتنع، كما في العقائد وكما في الفروع إن كان من أهل الاستقلال، أم سأل بمقدار ما يصحح به عمله فقط، وأيضًا؛ سواء أكان سؤاله لمن هو أَهْلٌ أم لا.. إلخ ما سيبينه في المسألة الثانية. "د".
٢ يفهمونها على حد: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الْأَنْفَالِ: ٢٩] ؛ إلا أن فهمهم لا تساعده قواعد اللغة الفصحى؛ لأنه مبني على أن جملة {وَيُعَلِّمُكُم} حال مقدرة، أو بمعنى مضمونًا لكم التعليم، وكلاهما يفيد أن التعليم مرتب على التقوى، ولكن الجملة المضارعية المثبتة وقوعها حالًا بالواو قليل؛ حتى قالوا: لا بد له من التأويل، والوجه الثاني أن هذه الجمل الثلاث مستقلة بعضها عن بعض؛ فالأولى طلب تقوى الله، والثانية وعد بالإنعام، والثالثة غاية التعظيم، ولذا ساغ فيها تكرار كلمة الجلالة مع أنهم كرهوا تكرار اللفظ الواحد في الجمل المتعاقبة. "د".
قلت: نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "١٨/ ١٧٧" على خطأ فهم الآية، قال رحمه الله تعالى بعد كلام: "وقد شاع في لسان العامة أن قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} من الباب الأول، حيث يستدلون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله، وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط، فلم يقل: "وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمكم"، ولا قال: "فيعلمكم"، وإنما أتى بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني"، ثم قال "١٨/ ١٧٧-١٧٨": "وقد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم، كما يقال: "زرني وأزورك"، و"سَلِّمْ علينا ونسلِّمُ عليك"، ونحو ذلك مما يقتضي اقتران الفعلين، والتعاوض من الطرفين"، قال: "فقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} قد يكون من هذا الباب؛ فكلٌّ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم ... وهلم جرا".

<<  <  ج: ص:  >  >>