للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

القابلية على فهم الخطاب الشرعي وأحكام الشريعة، والإفتاء يحتاج إلى قدر أكبر من الفهم، فيسلتزم العقل من باب أَوْلَى، ولهذا ما علمنا أنَّ أحدًا أفتى أو تصدَّى للإفتاء وهو دون البلوغ، ولا ينتقض قولنا بصحة تحمّل الحديث الشريف قبل سن البلوغ، بل وصحة روايته أيضًا عند بعض العلماء؛ لأنَّ تحمل الحديث يقوم على القدرة على حفظ المسموع وضبطه، وروايته مبنية على القدرة على الأداء، كما سمع وحفظ، وهذه القدرة يتصوّّر وجودها فيمن هو دون سن البلوغ، أمَّا الإفتاء فيقوم على إدراك معاني الشريعة وفهم أحكامها، وهذا لا يتأتى عادة لمن هو دون سن البلوغ.

الشرط الثالث: العدالة

٢٠٤- ويشترط في المفتي أن يكون عدلًا، والعدالة هيئة يكون عليها المسلم، من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعًا وترك المنهيّ عنه شرعًا، وهجر ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وأن تكون أخلاق صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الإسلام، ولا يعني ما قلنا اشتراط العصمة من الذنوب حتى تتحقق العدالة بعلماء الإسلام، وإنما المقصود أن تكون أحوال المسلم العدل ظاهرة الحسن والطاعة للشرع، فلا يفعل كبيرة إلّا على وجه الندرة أو الخطأ أو غلبة الطبع، ولا يصدر على صغيرة، فهو يجتهد ليكون سلوكه كله وفق مقتضيات العدالة، وإن انحرف عنها الغالبة فيه، ولا يصدر عنه ما يعتبر قادحًا في عدالته إلّا على وجه الندرة أو الغفلة مع الخلوص من الإصرار على المعصية.

هذا وإنَّ ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، ولهذا كان بعضها مسقطًا للعدالة دون بعض، فالمسقط منها مثل القول على الله ورسوله بغير علم، إما عن طريق الابتداع في الدين، أو بالتأويلات الفاسدة الظاهرة الفساد والبطلان، ومثل مجاراة الظَّلَمَة والإفتاء لهم بما يشتهون، وأخذ الرشوة ونحو ذلك، وغير المسقِط للعدالة مثل ارتكاب الصغيرة من المعاصي وعدم الإصرار عليها.

الشرط الرابع: الاجتهاد

٢٠٥- ويشترط في المفتي كما ذكر العلماء: أن يكون فقيهًا مجتهدًا، والمجتهد هو

<<  <   >  >>