للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة، ولا وجادة (١)،ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم (٢)).

فائدة:

قال اللقاني (١/ ٩٨٠): (فإن قلت: لم يذكر المصنف لهذا النوع اسما.

قلت: نعم، لكن قال البقاعي: إن هذا القسم لا اسم له إلا المنقطع وإن كان من أول السند من تصرف مصنف سمى معلقا - أيضا - انتهي.

والذي يظهر دخوله - أيضا - في باب المعضل والمرسل، والحاصل أن هذا لاقسم ليس له اسم خاص لجريانه في البواب السابقة، فينظر لمحل ذلك الحذف الواضح، ويحكم له بما يَلحق به من مسميات تبك الأقاب السابقة، وتطبق عليه أسماؤها من تعليق، أو انقطاع، أو عضل، أو إرسال).

السقط الخفي:

(المدلَّس):

قال الحافظ: -[(والثاني المدلَّس ويرد بصيغة تحتمل اللقى: كعن، وقال).]-

وقال في "النزهة" (ص/٢٢١): (والقسم الثاني: وهو الخفي: المدَّلس - بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسم مَن حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به. واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء.

ويَرِد المدَّلس بصيغة من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللقى بين المدلس ومن أسند عنه، كـ‍"عن"، وكذا "قال". ومتى وقع بصيغة صريحة لا تجوز فيها كان كذبا.

وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلا: أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث،

على الأصح).

تنبيه:

قال اللقاني (١/ ٩٩٢): (كلام الشرح والأصل ليس فيه إلا تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه، أو سمع منه ما لم يسمع منه موهما أنه سمع منه.

وسكت عن تدليس الشيوخ وهو أن يصف الشيخ الواحد الذي سمع منه ذلك الحديث بما لا يكون معروفا به، ولا مشهورا من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صفة أو نحوها.

والحامل عليه مقاصد: إما ضعف في الراوي عنه، وإما صغره عند المدلس بأن يكون أصغر من المدلس أو أكبر منه لكن بيسير، أو بكثير لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ من هو دونه.

وملخصه: أن يستكبر المدلس عن الرواية عنه لشئ من هذه الأمور، وإما لإيهام المدلس أنه يروي ذلك الحديث عن عدة شيوخ.

كما سكت أيضا عن تدليس التسوية المعبر عنه عند القدماء بالتجويد بحيث قالوا: "جَوَّد فلانا الإسناد" فإنما يريدون ذَكَرَ من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو أن يروي حديثا عن ضعيف بين ثقتين لقى أحدهما الآخر فيسقط المدلس الضعيف ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة.

ولعله إنما سكت عنهما؛ لرجوع الأول للرواية عن المجهول والثاني لتدليس الإسناد كما صرح به المصنف في الثاني حيث جعله نوعا من تدليس الإسناد).

المرسل الخفي:

قال الحافظ: (وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق).

وقال في "النزهة" (ص/٢٢١): (وكذا المرسل الخفي، إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه، بل بينه وبينه واسطة.

والفرق بين المدلس والمرسل الخفي دقيق، حصل تحريره بما ذكر هنا: وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه، فهو المرسل الخفي).

أسباب الطعن في الراوي

قال الحافظ: (ثم الطعن: إما أن يكون لكذب الراوي (٣)، أو تهمته بذلك، أو فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه.

فالأول: الموضوع، والثاني: المتروك، والثالث: المنكر على رأي، وكذا الرابع والخامس.

ثم الوهم: إن اطلع عليه بالقرائن، وجمع الطرق: فالمُعَلَّل.

ثم المخالفة: إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راو: فالمزيد في متصل الأسانيد، أو بإبداله ولا مرجح: فالمضطرب وقد يقع الإبدال عمدا امتحانا أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحف والمحرف. ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني. فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل.

ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الأخذ عنه، وصنفوا فيه الوحدان، ولا يسمى اختصارا، وفيه المبهمات، ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح، فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين، أو اثنان فصاعدا، ولم يوثق: فمجهول الحال، وهو المستور.

ثم البدعة: إما بمكفر، أو بمفسق، فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني: يقبل من لم يكن داعية في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجُوزقاني شيخ النسائي.

ثم سوء الحفظ: إن كان لازما فهو الشاذ على رأي، أو طارئا فالمختلط، ومتى توبع سيئ الحفظ بمعتبر، وكذا المستور والمرسل، والمدلس: صار حديثهم حسنا لا لذاته، بل بالمجموع.).

ذكر الماتن - رحمه الله - عشرة أسباب للطعن في الحديث خمسة منها متعلقة بالعدالة وهي: الكذب، والتهمة به، والفسق، والجهالة، والبدعة.

وخمسة تتعلق بالضبط وهي: فحش الغلط، والغفلة، والوهم، والمخالفة، وسوء الحفظ.

ولم يميز الماتن بينهما؛ لأنه فضل ذكرها مرتبة على الأشد فالأشد في موجب الرد على

سبيل التدلي، وفيه فائدة أعظم من تمييزها سيما للمبتدئ (٤).

الكذب:

وقال في "النزهة" (ص/٢٢٣): (الطعن إما أن يكون: لكذب الراوي في الحديث النبوي: بأن يروي عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله (٥)، متعمدا لذلك (٦).

فالقسم الأول: وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي هو الموضوع.

والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبا، وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة.

وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه، قال ابن دقيق العيد: "لكن لا يقطع بذلك، لاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار" انتهى. وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنى؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به.

ومن القرائن، التي يدرك بها الوضع: ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع للمأمون بن أحمد أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أو لا، فساق في الحال إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة. وكما وقع لغِياث بن إبراهيم، حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام؛ فساق في الحال إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح"، فزاد في الحديث: "أو جناح"؛ فعرف المهدي أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام.

ومنها ما يؤخذ من حال المروي: كأن يكون مناقضا لنص القرآن، أو السنة المتواترة (٧)، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل.

ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذ كلام غيره: كبعض السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات، أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا

ليروج.

والحامل للواضع على الوضع: إما عدم الدين كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية، كبعض المقلدين، أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإغراب


(١) عطفه الوجادة على الإجازة مشعر باستقلال الوجادة في الاتصال دون أن ينضم لها الإجازة، وسوف يأتي مناقشة هذه المسألة - بإذن الله -.
(٢) قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٨): (قال الحاكم: لما قدم علينا أبو جعفر الكُشَّى - بضم الكاف وشدة المعجمة - وحدث عن عبد بن حميد سألته عن مولده؟ فذكر أنه سنة ستين ومائتين فقلت لأصحابنا: هذا الشيخ سمع من عبد حميد بعد موته بثلاثة عشر سنة).
(٣) وقيده الماتن في النزهة بـ: "التعمد"، وسوف يأتي بإذن الله مناقشة هذا القيد.
(٤) انظر اللقاني (١/ ١٠١٠).
(٥) قال اللقاني (١/ ١٠١٢): (المراد: ما لم يقله صلى الله عليه وسلم أصلا؛ لا باللفظ ولا بالمعنى، فلا ترد الرواية بالمعنى عند مجوزيها، وهو الحق؛ لوجود المعنى، ويدخل فيه ما سيأتي من تركيب متن مروي بسند ضعيف مع سند صحيح؛ لأن الهيئة المخصوصة غير منسوبة إليه عليه السلام لا باللفظ ولا بالمعنى. وأما قلب المتن لسند آخر غير ضعيف لقصد الامتحان؛ فليس بجرحة على الأصح، لكن لا يستمر جوازه إلا بقدر الضروة فقط).
ثم قال: (خص المصنف الكذب برواية ما لم يقله صلى الله عليه وسلم جريا على الغالب، وتبركا بلفظ الحديث، وإلا فالفعل والعزم والهم والتقرير والوصف كذلك - ما لا يخفى -).
(٦) قال اللقاني (١/ ١٠١٣): (فإن قلت: قيد التعمد غير مذكور في الأصل! قلت: المقابلة مُغنية عن التصريح به، وإلا رجع لفحش الغلط، أو سوء الحفظ. والحق في الصدق أنه: مطابقة حكم الخبر للواقع مطلقا، عمدا كان أو لا، كان بإعتقاد عدم المطابقة للواقع أم لا).
تنبيه:
بعض العلماء، وما جرى عليه عمل مصنفو كتب الموضوعات، عدم اعتبار هذا القيد.
قال الشيخ بشير عمر في "منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث" (١/ ١٤٧): (بعض العلماء لم ير التقييد بقيد التعمّد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فعرّف الموضوع بأنه ما يُعلم انتفاء خبره وإن كان صاحبه لم يتعمد الكذب بل أخطأ فيه. والناظر في مناهج النّقّاد المتقدمين ومصطلحاتهم في هذا الباب يرى أنهم يطلقون الحكم بالوضع على حديث من وقع ذلك منه عمداً أو خطأً، كما يصفون الراوي بالكذب وإن كان لم يتعمد اختلاق المتون، وكذلك جامعوا كتب الموضوعات كما أفاده الشيخ المعلمي رحمه الله حيث قال: "إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد يقول: باطل أو موضوع، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمداً أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمداً غير أن هذا المتبادر لم يَلتفِت إليه جامعو كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يجدون قيام الدليل على بطلانه وإن كان الظاهر عدم التعمد") وهذه التفرقة بين الباطل والموضوع التي أشار إليها الشيخ المعلمي اعتمدها بعض المعاصرين فجعلوا الموضوع ما تعمد فيه الراوي الكذب، والباطل قد يجري على لسان الراوي الصادق اللهجة السيئ الحفظ لكنه لم يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر اصطلاحي.
(٧) قال اللقاني (٢/ ١٠٣٥): (خرج بها الآحاد؛ إذ مخالفتها لا تدل على الوضع ولو لم تمكن التأويل).

<<  <   >  >>