للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

٦- في الأدب العربي القديم:

آثرت تأخير الحديث عن بذور المقالة في الأدب العربي، لكي أتناولها في شيء من التفصيل. فقد ظهرت المقالة في أدبنا منذ القرن الثاني للهجرة. وتمثلت على أحسن صورها في الرسائل، وخاصة الإخوانية والعلمية. فلو نحينا جانبا الرسائل الديوانية التي كانت تتحجر في كل عصر، في قوالب معينة يرثها الخلف عن السلف، والتفتنا إلى الإخوانيات، وما تدور عليه من مسامرات ومناظرات وأوصاف وعتاب، وإلى الرسائل التي كانت تتناول الموضوعات التي تفرد بها الشعر كالغزل والمديح والهجاء والفخر والوصف، لوجدنا أنها تعكس خصائص المقالة، لا كما عرفت في طورها الأول الذي استمر حتى القرن السادس عشر، بل كما عرفت عند رائديها في فرنسا وإنكلترا. ولولا أنها تطورت هذا التطور المرذول الذي طبعها بطابع الصنعة الثقيلة الممجوجة، في الأسلوب الإنشائي وفي الصور البديعية والبيانية، لكانت المثل البكر لفن المقالة كما عرفتها الآداب الأوروبية الحديثة. وإذا تصفحنا كتب الأدب ومصادر التاريخ وجدنا أمثلة كثيرة تدعم هذا الرأي الذي نذهب إليه.

فصفة الإمام العادل، للحسن البصري، مثل جيد على المقالة الأخلاقية. وفيها يقول:

"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق، الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده. هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله،

<<  <   >  >>