للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يبدُوَانِ في نظر القارئين له لونا من ألوان التعقيد والغموض والإغراب، وقد يذكر المبتدأ، أو الشرط ولا يذكر الخبر، أو جواب الشرط إلا بعد بضعة أسطر، ومن مميزاته خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي، وإذا ذكر شيئا منه فإنه يذكره مضعفا له، أو منكرا أو مبطلا، ومبينا منشأه، وذلك مثل ما صنع في قصة هاروت، وماروت، قال: "وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم..... فمما١ لا تعويل عليه؛ لما أن مداره رواية اليهود، مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل٢" وقصة يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} : فقد ذكر ما روى من الإسرائيليات في رؤيته برهان ربه، ثم قال: "إن كل ذلك إلا خرافات، وأباطيل تمجها الآذان، وتردها العقول، والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها"٣.

نعم: قد ذكر بعض الإسرائيليات التي لا تخل بعصمة الأنبياء، ولكن فيها غرابة وبُعد، ولم يعقب عليها، وذلك مثل ما ذكره في الحجر الذي ضربه سيدنا موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا، وما ذكره في صفة يأجوج ومأجوج، وأن طول الواحد منهم ستمائة ذراع، وصفة إرم ذات العماد، مما هو من خرافات بني إسرائيل ومما يؤخذ عليه، ذكره متابعا للزمخشري والبيضاوي الأحاديث المروية في فضائل القرآن سورة سورة، وهي موضوعة باتفاق أهل العلم بالحديث، ومثل الحديث الذي ذكره في فضل سورة الفاتحة، حيث قال: وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في "الكتاب" ٤!!: الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله، فيرفع عنهم العذاب أربعين سنة"، وما ذكره متابعا للزمخشري وغيره في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، وسأعرض لهذا ولغيره عند التفصيل. إن شاء الله تعالى.


١ هذا يشهد لما قلته عن خبرة ودراسة، فقد ذكر جواب الشرط بعد نحو صحيفة.
٢ تفسير أبي السعود على هامش تفسير الفخر من ص ٦٥٠- ٦٥٢.
٣ المرجع السابق ج ٥ ص ١٧٩.
٤ مما يدل على وضعه فضلا عن الطعن في سنده هذه اللفظة لأن كلمة "الكتاب" مستحدثة.

<<  <   >  >>