للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود (قَالَ: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ (عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جِلْدِهِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (: «مَا لي وللدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (١) .

وكان لا يحب أن يرفعه الناس فوق قدره:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه سَمِعَ - عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (يَقُولُ: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (٢) .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا وَيا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» (٣) .

وعن عبد الله بن الشخير العامري (: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» . قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ» (٤) .

وكان لا يحب أن يقوم له أحد إذا دخل:

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا كَانَ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا؛ لِمَا يَعْلَمُوا مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ) (٥) .

ولا يحب أحدا أن يقف فوق رأسه كما تفعل الملوك والقياصرة:

فقد أخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا؛ ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٦) .

وهذا أمر عجيب؛ فقد ذكر الفقهاء أن القيام في صلاة الفريضة من أركان الصلاة (٧) ، ومع هذا لما أحسَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذا الأمر سوف يؤدي إلى تعظيمه أمرهم بالقعود.

وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ (رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ (٨) » (٩) .

بل كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يلزم خاصته وأهله بالزهد أيضا، فقد خير أمهات المؤمنين بين البقاء معه على هذه الحال ولهن الجنة، وبين الدنيا ويطلقهن، فاخترن البقاء معه (١٠) :

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا () وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( [الأحزاب:٢٨-٢٩] .


(١) أخرج الترمذي (كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، رقم:٢٣٧٧) ، وابن ماجه (كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، رقم:٤١٠٩) وإسناده صحيح؛ انظر: صحيح سنن ابن مجاه للألباني (٢/٣٩٤) رقم ٣٣١٧.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله (واذكر في الكتاب مريم ... ) ، رقم:٣٤٤٥) .
(٣) أخرجه الأمام أحمد (رقم:١٢١٤١) وإسناده صحيح. كما في غاية المرام للألباني ص ٩٧ رقم: ١٢٣المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة ١٩٨٥.
(٤) أخرجه أبو داود (كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، رقم:٤٨٠٦) وأحمد (١٥٨٧٦) وإسناده صحيح انظر: غاية المرام في تخريج الحلال والحرام للألباني ص ٩٩، رقم ١٢٧، وصحيح سنن أبي داود (٣/٩١٢) رقم ٤٠٢١.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (١١٩٣٦) والترمذي (كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، رقم:٢٧٥٤) وإسناده صحيح. انظر السلسلة الصحيحة للألباني (١/٦٩٨) رقم ٠٣٥٨
(٦) أخرجه مسلم (كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، رقم:٤١٣) .
(٧) انظر كتاب الكافي لابن قدامة المقدسي (١/٢٧٩) ، تحقيق د. عبد الله التركي، دار هجر، الطبعة الأولي،١٩٩٧.
(٨) القَدِيدُ من اللحم: ما قُطِعَ طولاً ومُلَّح وجُفَّف في الهواء والشمس. (المعجم الوسيط ٌ د د)
(٩) أخرجه ابن ماجه (كتاب الأطعمة، باب القديد، رقم:٣٣١٢) وهو صحيح كما قال الألباني في صحيح ابن ماجه (٢/٢٣٢) رقم: ٢٦٧٧.
(١٠) الحديث متفق عليه عن عائشة (البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك ... ) ،رقم:٤٧٨٦، ومسلم: كتاب الطلاق، باب أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا ... ، رقم:١٤٧٥) .

<<  <   >  >>