للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الشيعي على استعمال التَّقيّة مع من يأمن جانبه حتى تصبح له سجية وطبيعة، فيعتاد التعامل بها حينئذ مع من يحذره ويخافه بدون تكلف ولا تصنع،

فقد روت كتبهم: عليكم بالتَّقيّة، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجيته مع من يحذره. (١) وقد مر معنا ذكر ذلك قبل قليل.

بل زادوا الطين بِلَّة (٢) فقالوا:

من أتى مسجدًا من مساجدهم (أهل السُّنة) فصلى معهم خرج بحسناتهم. (٣)

ولم يقفوا عند هذا الحد من الهراء والاستخفاف بعقول تابعيهم حتى أقنعوهم بأن:

-من- يدخل معهم (أهل السُّنة) في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم. (٤)

وهؤلاء فيهم شبه من استخفاف فرعون بعقول قومه، كما قال تعالى في حق فرعون وقومه: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: ٥٤)

- و-المعنى: فاستخف جهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم. (٥)

والآية تنطبق عليهم وعلى استخفافهم بعقول أتباعهم السذج، والذين يبيعون عليهم جوازات سفر عليها تأشيرة دخول إلى جنة الفردوس!!.

وعقائدهم الباطنية كما ترى تنسب لأهل البيت الكرام زورًا وبهتانًا، وقد جعلوهم ستارًا يخفون وراءه كل فعل قبيح، وينسبون إليهم كل اعتقاد فضوح.

المبحث الثاني: مفهوم المُدَارَاة

وفيه أربعة مطالب:

يتفرع عن قضية "التَّقيَّة" ما يسمى: بـ"المداراة، والمداهنة"، فإن كثيرًا ما يقع الخلط في فهم معنيِّهما والفرق بينهما، لذا وجب التعريف بمفهوم كلٍ منهما في اللغة والاصطلاح.

المطلب الأول: مفهوم المُدَارَاة في اللغة

المُدَارَاة: مصدر دارى، يقال: داريته مداراة: لاطفته ولاينته، ومداراة الناس: أي ملاينتهم وحسن صحبتهم واحتمالهم؛ لئلا ينفروا عنك. (٦) >

المدَاراة: المخالفة والمدافعة، ودرأه؛ أي: جعلهُ درءًا، ودرأه؛ أي: دفعه، وتدارؤوا؛ أي: تدافعوا في الخصومة، وتَدَرَّؤُوا: اسْتَتَرُوا عن الشَّيء لِيَخْتِلُوهُ. (٧)

والمدَاراة: بغير همز، بمعنى المجاملة والملاينة، وبالهمز بمعنى المدافعة. (٨)

المطلب الثاني: مفهوم المدَاراة في الاصطلاح

قال ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) -رحمه الله- في تعريف المدَاراة:

المدَاراة: هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مُراد الله بلينٍ ولطفٍ، حتى يرجعوا عما هم عليه. (٩)

ويقول - رحمه الله- أيضًا-: المدَارَاة:


(١) أمالي الطوسي: (١/ ١٩٩)، وسائل الشيعة: (١١/ ٤٦٦)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٣٩٥). وللاستزادة: يُنظر: هل يمكن الحوار مع الشيعة؟، مجلة البيان العدد ٣٣٢ ربيع الآخر ١٤٣٦ هـ، يناير - فبراير ٢٠١٥ م. أ. د. ناصر بن عبد الله القفاري.
(٢) - كثيرًا ما نسمعهم يقولون: زاد الطين بَلَّة - بفتح الباء وهذا خطأ، والصواب في نطق هذا المثل المشهور: زاد الطين بِلَّة - بكسر الباء - كما في المعاجم اللغويَّة، وهذا النطق هو الاستعمال اللغويّ الصحيح، فهكذا نطقت العرب؛ جاء في المعجم الوسيط: "بَلَّ الشيء بالماء ونحوه بَلاًّ، وبلَّة، وبَلَلاً، وبَلَالاً: نَدَّاه وفي المختار: "البِلة بالكسر النداوة" وهو الذي يتناسب مع الطين. أمَّا (الَبلَّة) بفتح الباء فهي البَلَالَة، ونضارة الشباب، والغنى بعد الفقر، ويقال: ريحٌ بَلَّة فيها بَلَلٌ، وطواه على بَلَّتِهِ: رَضِيَه على ما فيه» و "البُلَّة" بضمِّ الباء: الخير، والعافية، وسلاسة اللسان ووقوعه على مواضع الحروف". يتبيَّن أنَّ صِحَّة الضبط: بِلَّة - بكسر الباء لا بَلَّة - بفتحها. إذنْ، قُلْ: زاد الطين بِلَّة - بكسر الباء، ولا تقل: زاد الطينَ بَلَّة - بفتحها.
يُنظر: زاد الطين بِلَّة لا بَلَّة، أ. د عبد الله الدايل، الاقتصادية الدولية، بتاريخ: الأربعاء ١٦ فبراير ٢٠١١ م.
(٣) - الكافي: (٣/ ٣٨١)، وسائل الشيعة: (٨/ ٣٠٤)، بحار الأنوار: (٨٥/ ٩٨).
(٤) -تهذيب الأحكام: (٣/ ٢٧٣)، وسائل الشيعة: (٨/ ٣٠٤).
(٥) تفسير القرطبي: (٧٨/ ١٦).
(٦) -لسان العرب، لابن منظور (١٤/ ٢٥٤)، ويُنظر: مادة (درأ) (١/ ٧١)، المصباح المنير، للفيومي (١/ ١٩٤).
(٧) - القاموس المحيط، ص ٤٠، ولسان العرب: ١/ ٧١، وتاج العروس ١/ ٢٢٣.
(٨) - ينظر: تهذيب اللغة للأزهري، ١٤/ ١١١، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ١١٠.
(٩) - شرح صحيح البخاري، لابن بطال: (٩/ ٣٠٦)، شرح صحيح البخاري لابن بطال المؤلف: ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: ٤٤٩ هـ) تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم دار النشر: مكتبة الرشد - السعودية، الرياض الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١٠.

<<  <   >  >>