للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(فصلت: ٣٤)، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقًا، فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق؟.

فقال ابن عقيل: "النفاق هو: إظهار الجميل، وإبطان القبيح، وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر، والذي تضمنتْه الآية: إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن. فخرج من هذه الجملة أن النفاق إبطان الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر: فليس بمنافق، لكنه يستصلح، ألا تسمع إلى قوله سبحانه وتعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: ٣٤)، فهذا اكتساب استمالة، ودفع عداوة، وإطفاء لنيران الحقائد، واستنماء الود، وإصلاح العقائد، فهذا طب المودات، واكتساب الرجال. (١)

وعن الفرق بين المداراة والمداهنة يقول الحافظ ابن حجر- رحمه الله-:

وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه. فالمداهنة فسرها العلماء بأنها:

معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.

والمداراة فسروها بأنها:

هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. (٢)

والمدارة دلالة على العقل، ولذا كان الحسن البصري يقول: كانوا يقولون: المدَاراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلُّه. (٣)

ويقول رحمه الله أيضًا عن خلق المؤمن في المداراة: المؤمن يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله. (٤)

والخلط بين المداراة والمداهنة، وجعلهما في رتبة واحدة، أوقعنا في كثير من المشكلات، وفوت علينا جملة من القضايا النافعات، وسلط علينا مجموعة من المفردات المهلكات، وبصراحة، شاعت في أوساطنا لغة المدح والثناء، لمن كان جافًا غليظًا حتى مع خلَص إخوانه، فضلاً عن الناس، وأبناء المجتمع، على أنه شجاع، وصريح، وقوال للحق، والذي في قلبه على لسانه، إلخ. أما الأخ الذي يداري إخوانه وأبناء مجتمعه، على ضوء فقه ما ذكرنا، فهذا (مطبطب) لا يواجه، سلبي إلخ. وهذا والله خطأ كبير، (إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِنْ شيءٍ إلَّا شانَهُ). (٥)، والحكم الفصل، هو منهج التفرقة، بين المداراة والمداهنة، وهو الفقه الصحيح. (٦)

ولعل فيما ذكر من إيجاز في هذا الباب ما يغني عن كثير من الإطالة والإطناب.

خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة:

[أ- خاتمة البحث]

في خاتمة هذا البحث يحمد الباحث ربَه الكريم المنان ذا الطول والإنعام على ما أنعم به وتفضل على عبده الضعيف الفقير إلى عفوه ورحمته ومغفرته من إتمام بحثه وإنهائه وإكماله، سائلًا مولاه العظيم أن يتقبله بقبول حسنٍ، وأن ينفع به عموم الأمة، وأن يجعله مما تبرأ به الذمة يوم الغمة، وأن يجعله غصة في حلوق


(١) - الآداب الشرعية، لابن مفلح: (١/ ٥٠ - ٥١).
(٢) - فتح الباري: (١٠/ ٥٢٨). بتصرف يسير.
(٣) - الآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/ ٤٦٨).
(٤) - يُنظر: أخلاق العلماء، للآجري (ص ٥٨).
(٥) - رواه مسلم: (٢٥٩٤) من حديث عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها-
(٦) - يُنظر: الدعاة ومعادلة المداراة والمداهنة، الدكتور عامر البو سلامة، رابطة العلماء السوريين، بتاريخ: ١٠/ ٢/ ١٤٣٨.

<<  <   >  >>