للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَم ولاحزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنرلتَه في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تَجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب هَمِّي وغمي- إلا أذهب اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا». قالوا: يا رسول الله، أفلا تتعلمهن؟ قال: «بلى، يَنبغي لمن يسمعهن أن يَتعلمهن» (١).

والشاهد من هذا الحديث قوله: «أو استأثزت به في عِلم الغيب عندك»، فهو دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأنَّ له أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده لا يَعلمها غيرُه (٢)، ففي هذا الحديث جعل أسماءه ثلاثة أقسام (٣):


(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ٤٥٢، وابن حبان (انظر: موارد الطمآن ح ٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥١)، والطبراني في الكبير (ح ٥٣٥٢١).
(٢) «شفاء العليل» (ص ٢٧٧).
(٣) قال ابن القيم رحمه الله: «وقوله: «أسألُك بكلِّ اسم سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» - إن كانت الرواية محفوظة هكذا، ففيها إشكال؛ فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو عَلَّمه أحدًا من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده قسيمًا لما سَمَّى به نفسه، ومعلوم: أن هذا تقسيم وتفصيل لما سَمَّى به نفسه؛ فوجه الكلام أن يقال: سَمَّيت به نفسك؛ فأنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام تفصيل لما سَمَّى به نفسه. وجواب هذا الإشكال: أن (أو) حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإنَّ ما سَمَّى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده؛ فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام. فإن قيل: المعهود من عطف الخاص على العام: أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف. قيل: المسوغ لذلك في الواو هو تخصيص المعطوف بالذِّكر؛ لمرتبته من بين الجنس، واختصاصه بخاصة غيره منه حتى كأنه غيره، أو إرادة لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بـ (أو) مع أنَّ في العطف ب (أو) على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع، كما بني عليه تامًّا، فيقال: سَمَّيت به نفسك؛ فإمَّا أنزلته في كتابك، وإمَّا عَلَّمته أحدًا من خلقك». «شفاء العليل» (ص ٢٧٦).

<<  <   >  >>