للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مُقَدِّمَةٌ كَلَامِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ ١ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:

وَهِيَ أَنَّ وَضْعَ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا هُوَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ مَعًا، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهَا صِحَّةً أَوْ فَسَادًا، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَزَعَمَ [الْفَخْرُ] الرازي٢ أن


١ وصفه هذه المقدمة بأنها "مسلمة" يعني أنه لا خلاف عليها، ومع ذلك، فقد احتاج إلى القول: "وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عليها صحة أو فسادًا". وليس هذا شأن المُسَلمات، ثم لست أدري ما عنى بقوله: "وليس هذا موضع ذلك"؟ مع أن هذا أنسب موضع لذلك، ثم هو قد أقام البرهان فعلا على صحة القضية، وإن كان بإيجاز شديد، ولعله يشير إلى أن البراهين المفصلة للمسألة ستأتي مبثوثة في مواضع أخرى من الكتاب.
ثم استمر في مناقضة قوله "مسلمة"؛ فذكر أن هذه المسألة وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة ألبتة ... "؛ فكيف يجتمع هذا مع قوله "مسلمة"؟ إلا أن يقصد أنها "مسلمة" عنده، أو أنها "مسلمة" وإن خالف فيها من خالف، وهذا هو الأقرب، ولكن كان ينبغي توضيحه.
فأما كونها "مسلمة" عنده؛ فهذا لا شك فيه، بل إنه يعتبرها قضية قطعية، وفي مواضع متفرقة ومناسبات مختلفة يعود ويؤكد هذه القضية، وعلى هذا الأساس يمضي في جميع أجزاء "الموافقات". انظر: "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص ١٦٩-١٧٠".
٢ المصنف لم يسم من المنكرين للتعليل أحدا غير الرازي، وفي هذا نظر من وجهين:
الأول:
أن ابن حزم بخاصة والظاهرية بعامة يهدمون فكرة "التعليل" من أساسها، وخصص ابن حزم في كتابه "الإحكام" بابا لذلك، قال: "الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين"، ونسب ذلك لجميع الظاهرية؛ قال: "وقال أبو سليمان –أي: داود الظاهري- وجميع أصحابه رضي الله عنهم: لا يفعل الله شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه". قال "٨/ ٧٧": "وهذا هو ديننا الذي ندين الله به، وندعو عباد الله إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى"، بل بالغ في هذا الإنكار، فاسمع إليه وهو يقول "٨/ ١١٣": "إن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس، وإنه مخالف لدين الله تعالى، نعم، ولرضاه، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين، ومن إثبات علة لشيء من الشريعة"، ولعل هذا الذي استفز ابن القيم؛ فقال=

<<  <  ج: ص:  >  >>