الباب التّاسع والأربعون في تذكّر طبّ الزّمان- والتهلّف عليه- والحنين إلى الألّاف- والأوطان
كنا قد ذكرنا فيما صدّرنا به هذا الكتاب ما أنشأ الله عليه الخليقة من حبّ الوطن والسّكن، وما درج إليه أولي النّحل السّليمة- والعقد الصّحيحة من الولوع بحفظ متقادم أعصارهم، بما اتّفق من سير وحكم نخبهم- وأنه حبّب إليهم ما يأثره القرن بعد القرن، منهم ليظهر من جلائل صنعه- في كل حين وفوائد منحه على كلّ حال ما توافق فيه الرّواة- وتلاحق به المدد والأوقات.
وذكرنا أيضا شيئا صالحا من علّة الحنين إلى الألّاف والأوطان، وما تأسّس عليه أسباب التّنافس والتّحاسد بين الرّجال، إلى انكشاف الأحوال عن التّراضي بينهم بمختلفات الأقسام، وإنّ جميع ذلك حكمة بالغة من الله جلّ جلاله في الأنام، فأحببنا أن نجدد هنا ما يتأكّد به ما تقدّم، أنشد المبرد شعرا:
لعمري لئن جليت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّاد المشربة العذب