للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المغرب الأقصى الذي ازدهرت فيه الطرق الصوفية عندئذ، ميالا إلى التصوف فمدح الفكون على كونه تحول من ظاهري إلى باطني (بعدما كان إماما) في علوم اللغة والشريعة (وله تأليف يشهد له بالتقدم) فيها.

والخلاصة أن الفكون عاش حياته على مرحلتين. المرحلة الأولى (وهي الأطول والأثمر) كرسها للعلم تلقيا وتدريسا وتأليفا. وكان أحب العلوم إليه علم النحو وما يتصل به من صرف وبلاغة ولغة. ولكنه لم يكن خلال هذه المرحلة متخليا أبدا عن مبادىء الطريقة الزروقية التي تعلم العلم والعمل، وتزكي الصلاح وتنفي البدع والخرافات، وتحض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) أما المرحلة الثانية من حياته، فقد قضاها في القيام بوظائف الجامع الكبير (الأعظم) من إمامة وخطابة وفتوى ورعاية للأحباس. كما كان يتردد على الحرمين الشريفين أميرا لركب حج الجزائر باعتباره شيخا للإسلام أو الشخصية الدينية الأولى في البلاد. ومع تقدم السن ومتطلبات الوظائف المذكورة وكثرة اتصالاته بالناس (ولاة وعلماء وصلحاء وعامة - جزائريين وغيرهم) ظهر الفكون وكأنه لا وقت له للتدريس ولا للقيام بالتأليف في العلوم التي طالما فاق فيها أهل عصره أو كان (إماما) فيها كما


(١) وصفه معاصره أحمد المقري، صاحب (نفح الطيب) أيضا بأنه كان ميالا إلى التصوف. ونعم ما فعل. وكان المقري قد توفي سنة ١٠٤١ أي أثناء عناية الفكون بعلوم المعقول. وهذا يتفق مع ما ذهبنا إليه من أن الفكون لم يتخل عن التصوف الحقيقي حتى وهو يدرس النحو والبلاغة واللغة والصرف.

<<  <   >  >>