للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَفَزَعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ، فَقَالَ: أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ:

وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: أَنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ الله خبيبا.

فلما خرجوا به من الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فرجع رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلُهُمْ بَدَدًا، وَلا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أَقْتُلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سَرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ. وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صَبْرا الصَّلاة، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حَدَّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا. كَذَا رُوِّينَا فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ فِي جَامِعِهِ وَفِيهِ: أَنَّ خُبَيْبًا هَذَا قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بِمَعْرُوفٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ خُبَيْبُ بْنُ إِسَافِ بن عنب بْنِ عَمْرِو بْنِ خَدِيجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جسم بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ المغازي.

وروينا عن ابن إسحق قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عضل وَالْقَارَةِ [١] ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فِينَا إِسْلامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدين، ويقرؤوننا الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُونَنَا شَرَائِعَ الإِسْلامِ، فَبَعَثَ [٢] مَعَهُمْ نَفَرًا سِتَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبَكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الأقلح أخو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ [٣]


[ (١) ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عضل والقارة من الهون بن خزيمة بن مدركة.
[ (٢) ] وعند ابن هشام: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه.
[ (٣) ] وعند ابن هشام: أخو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأوس.

<<  <  ج: ص:  >  >>