للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفيهم نزل قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:٢٢).

وتجلى تمكن حب الله في قلوب الصحابة عند الهجرة من مكة إلى المدينة، فلقد ترك المهاجرون أموالهم وديارهم وهاجروا فرارًا بدينهم وامتثالًا لأوامر رسولهم صلى الله عليه وسلم، كل ذلك ما كان ليحدث لو لم يكن حب الله عز وجل مهيمنًا على قلوبهم.

عن الزبير رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا بقُباء ومعه نفر، فقام مصعب بن عمير رضي الله عنه، عليه بُردة ما تكاد تواريه، ونكَّس القوم، فجاء فسلَّم فردوا عليه، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا وأثنى عليه، ثم قال: (لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله، ثم خرج من ذلك ابتغاء مرضاة الله ونصرة رسوله .. ) (١).

- حب الرسول:

أما حبهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فالأمثلة كثيرة ... أخرج الطبراني عن عروة ابن الزبير أن المشركين الذين قتلوا خبيب بن عدي رضي الله عنه نادوه قبل قتله وهو مصلوب: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: لا والله العظيم! ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه.

أما سرعة مبادرتهم للجهاد في سبيل الله فإليك ما فعله حنظلة رضي الله عنه، فحينما استشهد في أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن صاحبكم حنظلة لتغسله الملائكة فأسالوا أهله ما شأنه) فسُئلت صاحبته (زوجته)، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لذلك غسلته الملائكة) (٢).

أما حبهم للشهادة فلا تسل عنه، فلقد كانوا يسابقون إليها تسابقًا عجيبًا، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأخيه يوم أحد: خذ درعي يا أخي. قال: أريد الشهادة مثل الذي تريد، فتركاها جميعًا (٣).

وهذا عبد الله بن جحش رضي الله عنه يدعو الله قبل معركة أحد فيقول: اللهم إني أقسم عليك أن القى العدو غدًا، فيقتلني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني بم ذالك؟ فأقول: فيك (٤).

أما معاذ بن جبل رضي الله عنه فأمره عجيب في حبه لربه، فعندما اشتد به النزع بعد إصابته بالطاعون كان كلما أفاق فتح طوقْه ثم قال: اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك (٥).

ثالثًا: الخوف الشديد من الله عز وجل

(جيل خاشع، خائف من الله)

قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ? وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم:١٣،١٤).

وقال تعالى: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف:١٢٨).

وقال تعالى مخاطبًا رسوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود:٤٩).


(١) رواه الحاكم ... انظر حياة الصحابة ٣/ ١٢٠.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية.
(٣) حياة الصحابة ١/ ٣٢.
(٤) حياة الصحابة ١/ ٣٨٩.
(٥) الرقة والبكاء لابن قدامة / ٢٥٢، وانظر طبقات ابن سعد.

<<  <   >  >>