للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قبل الانتقال للحديث عن هذه الصفات العشر بشيء من التفصيل هناك ملاحظة جديرة بلفت الانتباه إليها، وهي أن البعض منا قد يرى أن هناك صفات أخرى يمكنه إضافتها إلى هذه الصفات، سواء كانت فردية كالعلم والتوكل على الله، أو جماعية كالانضباط والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نعم، لا بأس من ذلك وبخاصة أن هذه الصفات - كما سيأتي بيانه - ما هي إلا ثمار تنطلق من محاور عدة، هذه المحاور عندما تتحقق في الجيل الموعود فإنها ستثمر بمشيئة الله هذه الصفات العشر وغيرها مما قد يضيفه، وبطريقة طبيعية وسلسة.

معنى هذا أن تلك الصفات ليست على سبيل الحصر، وإن كانت تشكل أهم ما يميز الجيل الموعود من سمات.

وفي الصفحات المقبلة سيتم - بعون الله - إلقاء الضوء على الصفات العشر للجيل الموعود، مع عرض لنماذج من الجيل الأول والذي تحققت فيه هذه الصفات.

أولًا: الإخلاص لله عز وجل

(جيل مخلص)

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:٥٥).

فالآية تخاطب المؤمنين وتبشرهم بالوعد الإلهي بالتمكين والاستخلاف في الأرض شريطة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.

والملاحظ أن الآية ذكرت كلمة "شَيْئًا" لتخرج بالشرك من الدائرة الضيقة -دائرة الشرك الظاهر- إلى الدائرة الواسعة التي تتضمن كل أنواع الشرك سواء كان ذلك في التوجه أو الاستعانة ...

- شرك التوجه والقصد:

وشرك التوجه هو أن يقصد المرء من أفعاله رضا الله من ناحية، ومن ناحية أخرى يريد بتلك الأفعال رضا الناس وحبهم له، وعلو منزلته عندهم ... ، أو يقصد بأعماله رضا الله، وكذلك الحصول على مغنم أو جاه، أو أي فائدة دنيوية.

فكل ما ينافي التوجه التام والمطلق لله عز وجل فهو شرك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) (١).

وعن شداد بن أوس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، فقلت ما يبكيك يا رسول الله؟! قال: (إني تخوفت على أمتي الشرك أما أنهم لا يعبدون صنمًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا حجرًا ولكنهم يراءون بأعمالهم) (٢).

- شرك الاستعانة:

وكما أننا مطالبون بإخلاص التوجه لله عز وجل، وأن يكون رضاه وحده هو المقصد في جميع أعمالنا، فإننا كذلك مطالبون بأن نستعين به وحده على أداء أي عمل، فلا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، وعندما يستعين المرء بغير ربه ويظن أنه يصل لهدفه بدونه سبحانه فقد أشرك به ...

ومن الصور الخفية للاستعانة بغير الله:

الاستعانة بالنفس والاعتقاد بما حباها الله من إمكانات على أنها ملك ذاتّي للعبد يفضُلُ بها غيره، أو أنه يمكنه استخدامها والاعتماد عليها وقتما شاء، فإذا ما وصل لهدفه فرح بنفسه ونظر إليها بعين الرضا والإعجاب ... فهذا هو الإعجاب بالنفس الذي يُعد من أخطر أنواع الشرك بالله.

إذن فالشرك بالله يشمل كل شيء يشترك في توجه العبد بأعماله إلى الله، ويشمل كذلك كل شيء يستعين به العبد على القيام بتلك الأعمال.

يقول ابن تيمية: الرياء من باب الإشراك بالخلق، والعُجب من باب الإشراك بالنفس.


(١) رواه مسلم.
(٢) رواه ابن ماجه الحاكم.

<<  <   >  >>