للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

معنى ذلك أن الطاعة التي تزيد الإيمان هي الطاعة التي يتحرك معها القلب، وإلا فمهما أدى العبد من طاعات كثيرة بجوارحه دون أن يتحرك قلبه معها كان الأثر الناتج عنها ضعيفًا في زيادة الإيمان، ومن ثم لا يصبح لها تأثير إيجابي على سلوك صاحبها.

وخلاصة القول أن المحور الأول الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين هو معرفة الله عز وجل ... هذه المعرفة لابد وأن تكون عميقة وراسخة يزداد بها الإيمان وتتأثر بها المشاعر، فتتوجه إلى الله، ومن ثم تتحسن المعاملة القلبية معه سبحانه، مما يثمر أعمالًا ومظاهر تعكس تحسن هذه المعاملة.

- معرفة النفس:

وكما أن قاعدة " المعاملة على قدر المعرفة " تنطبق على علاقتنا بالله عز وجل وطريقة معاملتنا له سبحانه، فإنها كذلك تنطبق على نظرتنا لأنفسنا، وأسلوب التعامل معها، فالملاحظ على البعض أنه يتعامل مع نفسه بالإعجاب والرضا، ويستشعر علوها وتميزها على الآخرين .. هذه المعاملة الخاطئة مع النفس تنطلق من الجهل بحقيقتها .. فلو عرف الواحد منا حقيقة أصله، ومدى ضعفه، وإحتياجه لربه، وشدة فقره إليه .. ولو عرف هذا كله معرفة تترسخ في يقينه وتتشابك مع إيمانه لاشتد حذره من نفسه، وخوفه منها، واشتد شعوره بالاحتياج إلى الله ..

معنى ذلك أن معرفة النفس معرفة حقيقية سيؤدي إلى مزيد من الإخلاص لله عز وجل والتوكل الصادق عليه، وسيثمر كذلك صفة التواضع، فأصل التواضع هو استصغار العبد لنفسه، ورؤيتها بعين النقص، ورؤية غيره أفضل منه ..

ومن هنا يتضح لنا أن معرفة النفس هي المحور الثاني الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين .. هذا المحور بلا شك له ارتباط وثيق بمحور معرفة الله عز وجل، فكلما ازداد العبد معرفة بربه صغرت نفسه عنده، وكلما نسى ربه ازداد نسيانه لخطورة نفسه عليه، ومن ثم ازداد ركونه إليها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} (الحشر:١٩).

- معرفة الدنيا:

ما الذي يجعلنا نطمع في الدنيا، ونكثر من التفكير في مستقبلنا؟!

ما سبب لهفتنا على المال، والفرح بزيادته، والحزن على نقصانه؟

ما الذي يجعلنا نمد أعيننا إلى من فضلوا علينا في الرزق، ونتمنى أن نكون مثلهم؟

إنه الجهل بالدنيا وحقيقتها وكونها مجرد محطة لنستريح فيها استراحة المسافر، وأنها مرحلة من مراحل رحلة العودة إلى الله.

إنه كذلك الجهل بطبيعتها وحقيقة زينتها وزيفها.

هذا الجهل جعلنا نتعامل معها بطريقة خاطئة، فبدلًا من مجافاتها، وعدم الركون إليها، أحببناها وحرصنا عليها.

تخيل أن أحدًا من الناس قد دعاك أنت وأسرتك لقضاء العطلة الصيفية في بلدته، عزمت على السفر ولكنك أردت بعض المعلومات عن هذه البلدة، فبحثت عنها وسألت العارفين بها فوجدت أن طقسها في الصيف حار جدًا، والكهرباء تنقطع عنها باستمرار، وأمراض الصيف تنتشر فيها بكثرة، ونسبة الرطوبة عالية جدًا، واللصوص وقطاع الطرق يملأون طرقاتها، ... فماذا سيكون رد فعلك بعد سماع هذه الأخبار؟!

هل ستسافر إلى هذه البلدة أم ستنصرف رغبتك عنها؟! بلا شك أنك ستزهد في الذهاب إليها، وستنصرف عنها رغبتك بالكلية نتيجة معرفتك بحقيقتها.

وكذلك الدنيا، فالسبب الرئيسي لتعلقنا بها ناتج عن جهلنا بحقيقتها ..

نعم، نسمع عن بعض صفاتها بين الحين والحين فنتمنى الزهد فيها ولكننا لا نستطيع، لأن المعرفة لابد أن تكون عميقة وراسخة تدخل في يقين الإنسان وتؤثر في إيمانه حتى يكون لها مردود إيجابي ومستمر في تعامله معها بالزهد فيها والعزوف عنها.

<<  <   >  >>