للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما حان الأجل وجاءته ساعة الوفاة يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن استخلفه مكانه خليفة للمسلمين فيقول له: " إن لله تعالى حقًا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حق لا يقبله بالنهار، وإنه لا تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة" (١).

ولقد ترك عثمان بن عفان رضي الله عنه قصر الصلاة في الحج، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الحج، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اعتقاد العامة أن الصلاة ركعتان في جميع الأوقات والظروف.

وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول: " لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلىَّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود" (٢).

عاشرًا: جيل مترابط متآخ ٍ

هذا الجيل - جيل التمكين - ليس مجرد أفراد متناثرين هنا وهناك لا يشعر أحدهم بالآخر، بل هو جيل مترابط متآخٍ كالبنيان المرصوص يشد بعضه أزر بعض. فالأخوة هي الرباط الذي يربط أفراده ليشكلوا جميعًا صفًا واحدًا لا أعوجاج فيه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (الصف:٤).

هذا الترابط الذي ينبغي أن يكون بين أبناء الجيل الموعود، له دور كبير في تحقيق الهدف المنشود، فهو وسيلة عظيمة لحماية الأفراد من الفتور أو التأثر السلبي بالهجمات التغريبية التي تتعرض لها الأمة، وهو كذلك يعينهم على الثبات ومواصلة السير، ومن خلاله يكون التنافس على الخير، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

- نماذج مشرفة:

ولأن الجيل الأول هو النموذج الذي نراه أمامنا وقد تحقق فيه وعد الله بالنصر والتمكين فإن من الطبيعي أن نرى هذه الصفة وقد تجلت فيه بوضوح، وظهرت آثارها في أقوال وأفعال أبنائه، ولقد قام صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة من مكة إلى المدينة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا سبعين رجلًا نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت دون ذوى الأرحام، إلى حين واقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} (الأنفال:٧٥). رد التوارث دون عقد الأخوة (٣).

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقدًا لا لفظًا فارغًا، وعملًا يتربط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر، وكانت عواطف الإيثار والمواساة والؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال (٤).

روى البخاري أن المهاجرين لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما، فقال سعد لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ... ".


(١) الزهد لعبد الله بن المبارك (١١٩).
(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام - ابن تيمية - ٢٨/ ٦.
(٣) زاد المعاد لابن القيم ٢/ ٥٦.
(٤) فقه السيرة لمحمد الغزالي / ١٧٩، ١٨٠.

<<  <   >  >>