للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هذا الامتحان يبدأ من سن البلوغ إلى لحظات الاحتضار ونزع الروح، ومن خلال الأعمال الصالحة والإجابات الصحيحة التي يقوم بها العبد يكون جزاؤه في الآخرة. ونعيمه في الجنة: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} (الروم:٤٤).

أما الرقابة على الامتحان فيتولاها الله عز وجل بنفسه فهو الرقيب الشهيد: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء:١). والملائكة يقومون بتسجيل الإجابات: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق:١٨). بل الجسد نفسه يشهد على صاحبه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النور:٢٤).

هذا الامتحان يمكن أن ينتهي في أي وقت، فلابد أن يكون العبد مستعدًا دومًا للحظة النهاية حتى لا يخسر آخرته.

وبعد الموت تكون المرحلة البرزخية، ثم البعث ويوم القيامة، وما فيه من أحداث عظيمة وحساب للبشر جميعًا عن المهمة التي طولبوا بأدائها، وبعد الحساب يتم ذهاب الناجحين للجنة، وَ سَوْق الراسبين إلى النار والعياذ بالله.

وفي الجنة يكون النعيم الذي لا يمكن لعقل أن يدرك كنهه، ومع النعيم المقيم يكون الخلود بلا موت، وفي النار والعياذ بالله عذاب لا يحتمل ولا ينتهي: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (الزخرف:٧٥).

معنى ذلك أن أي إنسان عاقل عليه أن يكون منتهى طموحه هناك في الجنة، وأن يعمل على الفوز بها، والتنعم بنعيمها، وأن يبحث عن الأسباب المؤدية لذلك، وأهم هذه الأسباب استغلال كل ما يقع تحت يديه من أشياء ليجعلها وسيلة تحقق له هدفه.

- استراحة المسافر:

هذه الحقائق تحتاج إلى دوام انتباه ويقظة ووضوح رؤية لحقيقة الدنيا وأنها دار ممر وامتحان، وأننا لم ننزل إليها لنمكث فيها، بل لنمضي فيها بعض الوقت ثم نتركها ونرحل، كالمسافر الذي يرتاح من عناء السفر في أي استراحة تقابله على الطريق.

هذا المسافر لن يفكر إلا في التزود بما ينفعه في رحلته، ويبلغه هدفه وبغيته .. وكذلك الدنيا ماهي إلا محطة من محطات السفر إلى الآخرة علينا أن نتزود منها بما ينفعنا هناك.

فإن قلت: إننا جميعًا نعلم ذلك، ولكننا ننساه في خضم أحداث الحياة المتلاحقة فكيف لنا أن يدوم تذكرنا وانتباهنا لهذه الحقائق (١)؟!

الحل يكمن في ثلاث وسائل:

الأولى: الاعتبار بمن سبقنا، وكثرة التفكير في الموت وزيارة المقابر، والتفكر في أحوال أهلها وكيف أن ملك الموت جاءهم دون أن يكونوا مستعدين للقائه، واستشعار ندمهم على تضييعهم للفرصة التي كانت بين أيديهم، وتذكر أمانيهم التي تنحصر في العودة إلى الدنيا ولو للحظة واحدة يسبحون الله فيها أو يستغفرونه .. قال صلى الله عليه وسلم: (ركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفِّلون، يزيدها هذا - يشير إلى قبر - في عمله أحب إليه من بقية دنياكم) (٢).


(١) قد يقول قائل إن هذا الكلام يتنافى مع مفهوم عمارة الأرض وصناعة الحياة التي طالبنا الله بها، نعم .. يتنافى لو كان المقصود من عمارة الأرض هو الركون إلى الدنيا والاستمتاع بها ونسيان الآخرة، كما كان حال عاد وقد ذمهم على ذلك نبيهم هود} أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ? وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ {(الشعراء:١٢٨، ١٢٩). أما إذا كان المقصود من عمارة الأرض الانتفاع بكنوزها وقوانين التسخير فيها لزيادة معرفة الله عز وجل من ناحية، ولتيسير الحياة على الناس ليتيسر تبعًا لذلك أداءهم للعبادة من ناحية أخرى، فهذا بلا شك .. أمر محمود يثاب عليه فاعله.
(٢) أورده الألباني في السلسلة الصحيحة ح (١٢٨٨).

<<  <   >  >>