للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

- منبع الإيمان:

لقد تعامل الصحابة مع القرآن على حقيقته ككتاب هداية وشفاء وتغيير وتقويم، لذلك لم يكن همُّهم منصبًا على سرعة الحفظ أو قراءة أكبر قدر من آياته ولم يكن من بينهم الكثير من الحفاظ، مع شدة انشغالهم وتفرغهم للقرآن .. لماذ؟ لأن شغلهم الشاغل كان منصبًّا على العمل به والتغيير من خلاله.

لقد ذاقوا حلاوة الإيمان من خلال هذا الكتاب، فشغلهم ذلك عن حفظه، مع أهمية الحفظ كوسيلة يتيسر من خلالها تلاوة القرآن في أي وقت.

يقول الحسن البصري رضي الله عنه:

" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله عليهم إلا النفر القليل، استعظامًا له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه ومتشابهه" (١).

وفي هذا يقول ابن مسعود: "إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويعصب عليهم العمل به".

فإن قلت: ولماذا كان يصعب عليهم حفظ القرآن مع أنهم عاصروا نزوله خلال ثلاثة وعشرين عامًا، وهم أهل اللغة العربية وأولى الناس به؟!

فالجواب .. نعم، من الطبيعي أن يكونوا أكثر الناس حفظًا للقرآن ولكنهم لم يكونوا كذلك لأن اهتمامهم الأكبر كان منصبًا على العمل بالقرآن، وبخاصة أنهم أدركوا أن أهل القرآن هم أهل اتِّباعه، فإن صاحَبَ ذلك حفظ حروفه فذالك فضل من الله ونعمة كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه (٢).

والذي يؤكد على هذا المعنى أن الكثير من أكابر الصحابة قد ماتوا ولم يستكملوا حفظ القرآن .. أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: "قُتل عمر ولم يجمع القرآن" (٣).

ويقول ابن عمر رضي الله عنهما: " كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا سورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به" (٤).

- ليست دعوة لإهمال الحفظ:

لا ينبغي أخي القارئ أن تفهم هذا الكلام على أنه دعوة لإهمال الحفظ، بل المقصد منه أن يراجع كل منا نفسه في طريقة تعامله مع القرآن، وأن يأتي أمره من أوله وليس من آخره، فأول أمر القرآن هو الانتفاع بمعجزته العظمى في الهداية والشفاء والتغيير، وما القراءة أو الحفظ إلا وسائل مساعدة لهذا الانتفاع، ومن الخطأ بمكان أن نجعل الوسائل المساعدة غايات مقصودة فيكون همنا قراءة أكبر قدر من آياته لا نجد فيه أي تغيير إيجابي ينتج من حفظ القرآن أو كثرة قراءته باللسان، فالقرآن ليس شربة ماء نشربها سريعًا لنرتوي، بل قول ثقيل يحتاج إلى روِّية وتأنِّ في تلاوته، وفي حفظه كذلك .. بل أشد، وهذا ما كان عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل القرآن الحقيقيون، ومن أَوْلى الناس به ..

يقول أبو عبد الرحمن السُلمي أحد تلامذة الصحابة: "إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأُخَر حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا وإنه سيرث القرآن من بعدنا قوم، يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا وأشار إلى حنكه" (٥).


(١) الحسن البصري لابن الجوزي ص ٩٨.
(٢) أخلاق حملة القرآن للآجري ص ٢٠.
(٣) طيقات ابن سعد ٣/ ٢٢٤.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٠.
(٥) فضائل القرآن اافرياني ص ٢٤٢.

<<  <   >  >>