للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

- الجنة هي الثمن:

نفس المعنى حدث مع أصحاب بيعة العقبة، فعندما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حمايته ونصرة دينه لم يعدهم بشيء من الدنيا مقابل ذلك حتى لا تتعلق قلوبهم بها، بل جعل المقابل هو الجنة مع علمه صلى الله عليه وسلم بما سيُفتح عليه وعلى أصحابه .. قال جابر بن عبد الله: "فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطرد في جبال مكة ويُخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يارسول الله نبايعك: قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة) ".

قال: " فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله. قالوا: إمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة " (١).

ولقد ظل الأنصار على بيعتهم يدافعون عن الإسلام، ويحمون حوزته .. يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، واستمروا في كفالة إخوانهم المهاجرين بل وإيثارهم على أنفسهم .. كل ذلك طمعًا في الشرط الذي بايعوه عليه ... الجنة، أخرج البزار عن جابر رضي الله عنه قال: "كانت الأنصار إذا جزَّوا نخلهم قسم الرجل تمرة قسمين أحدهما أقل من الآخر، ثم يجعلون السَّعَف (٢) مع أقلهما، ثم يخّيرون المسلمين، فيأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السَّعف حتى فُتحت خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد وفيتم لنا بالذي كان عليكم، فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر، ويطب ثماركم فعلتم) قالوا: إنه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة، فقد فعلنا الذي سألتنا بأنَّ لنا شرطنا. قال: (فذاكم لكم) " (٣).

وهذا هو ما يريده الإسلام الآن. جيل لا ينظر لشيء من حطام الدنيا.

جيل بصره معلق بالسماء، يسعى دومًا لرضا الله والفوز بجنته، يتمثل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (التوبة:١١١).

ومما لا شك فيه أننا جميعًا نستطيع أن نكون من أبناء هذا الجيل لو استطعنا أن نُزيل الأثقال التي تجذب أقدامنا وأجسادنا وقلوبنا إلى الأرض.

وبما أن الشباب أقلنا أثقالًا فإنهم بلا شك أكثرنا استعدادًا لاستكمال صفات الجيل الموعود، مع ما يميزهم كذلك من عاطفة جياشة وعزيمة وقَّادة، وهمة عالية وهذا لا يعني بأننا لا نصلح لذلك، بل نصلح - والله - لو عقدنا العزم، وأخلصنا النية، وتخففنا من أثقالنا، وجعلنا الله عز وجل فقط هو غايتنا، عند ذلك نكون كالشباب في همته وعاطفته وعزمه الوقاد.


(١) السيرة النبوية للصلابي ١/ ٤٦٠.
(٢) أغصان النخل.
(٣) حياة الصحابة ١/ ٢٩٢.

<<  <   >  >>