للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعن ضمضم بن جَوْس قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب صاحب لي فإذا رجل أدعج العين، براق الثنايا، فقال لي: يا تهامي لا تقولن لأحد لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة، قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو هريرة. قلت: قد نهيتني عن شيء كنت أقوله إذا غضبت على أهل بيتي وحشمي، قال: فلا تفعل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان من بني إسرائيل فكان أحدهما به رهق، والآخر عابدًا، فكان لا يزال يقول له: ألا تكف، ألا تقصر، فيقول: ما لي ولك دعني وربي. قال: فهجم عليه يومًا فإذا هو على كبيرة، فقال: والله لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فلما قدما بهما على الله عز وجل قال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للعابد: حظرت على عبدي رحمتي، أكنت قادرًا على ما تحت يدي؟ انطلقوا به إلى النار».

قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم كلمة أوبقت دنياه وآخرته (١).

[المرحلة الأخيرة]

ولأنه سبحانه يريد من عباده دخول الجنة، فقد أتاح لهم فرصًا عظيمة للتوبة والرجوع إليه وذلك طيلة حياتهم في الدنيا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل وعند مماتهم كذلك طالما أنهم لم يهتكوا الستر بالكفر أو الشرك، فقد أعطى عباده الموحدين أشياء تساعدهم على محو السيئات وزيادة الحسنات.

ومن ذلك أنه تصدق عليهم بثلث أموالهم التي يتركونها كوصية يتصرفون فيها كيفما شاءوا، فإن كان المال الذي بحوزتهم سيئول إلى ورثتهم، إلا أن لهم أن يوصوا بثلثه فيما يريدونه من أبواب الخير.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثُلث أموالكم، وجعل ذلك زيادة لكم في أعمالكم» (٢).

وحث سبحانه عباده المسلمين - على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم - الصلاة على الميت ليكون دعاؤهم سببًا من أسباب تكفير سيئاته، ورفع درجاته وإنزال الرحمة عليه.

قال صلى الله عليه وسلم: «من تبع الجنازة وصلى عليها، فله قيراط، ومن تبعها حتى يُفرغ منها فله قيراطان, أصغرهما مثل أحد، أو أحدهما مثل أحد» (٣).

وحثهم على الدعاء له بالتثبيت عند دفنه «ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل» (٤).

وليس هذا فحسب، بل جعل هناك أعمالا يجري على المسلم ثوابها بعد موته كدعاء الولد الصالح، وكالعلم النافع، وكالصدقة الجارية.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته» (٥).


(١) رواه أبو داود (٤٩٠١).
(٢) حسن صحيح الجامع (١٧٣٣).
(٣) سنن أبو داود ح (٢٧٥٥).
(٤) سنن أبو داود ح (٢٨٠٤).
(٥) صحيح الجامع (٢٢٣١).

<<  <   >  >>